“أحمد الألفى” يكتب: النمو الاحتوائى و قصور المؤشرات الكلية

elalfy-300x200
أحمد الألفى

يقاس معدل النمو الاقتصادى الاجمالى GDP  للدولة بقيمة الزيادة السنوية فى انتاج السلع  و الخدمات منسوبة الى اجمالى الانتاج من السلع و الخدمات فى العام السابق ( أو سنة الأساس ) معبرًا عنه  فى صورة نسبة مئوية ، و بشكل عام  كلما كان معدل النمو الاقتصادى  للدولة كبيرا ، كلما كان ذلك مؤشرًا على انتعاش و ازدهار الاقتصاد .

وكلما كان معدل النمو الاقتصادى  للدولة صغيرا، كلما كان ذلك مؤشراّ على تراجع الاقتصاد، و ترجع دلالة مؤشر معدل النمو الاقتصادى للوضع الاقتصادى للدولة الى الاّثار التى يولدها النمو الاقتصادى على كافة المتغيرات الاقتصادية  الكلية الأخرى ،كالاستهلاك و الصادرات و الواردات و الدخول،وما الى ذلك من متغيرات اقتصادية وثيقة  الارتباط بمعدل النمو الاقتصادى ، حيث يولد معدل النمو الاقتصادى الكبير اثار اقتصادية ايجابية على مختلف المتغيرات الاقتصادية الأخرى بفعل علاقات التشابك والارتباط و التداخل بينها.

حيث يؤدى زيادة معدل النمو الاقتصادى- بشكل عام – الى زيادة مستويات دخول الافراد والتى تؤدى بدورها الى تنشيط الطلب الكلى الفعال ،والى ارتفاع مستوى التشغيل فى الاقتصاد ،والى خلق المزيد من الوظائف ،والى تراجع معدلات البطالة ،كما يؤدى زيادة معدل النمو الاقتصاد الى زيادة ايرادات وأرباح الشركات مما يحفزها على التوسع فى انفاقها الاستثمارى بضخ استثمارات جديدة بفعل حالة الثقة فى الاقتصاد المصاحبة  لمعدل النمو الاقتصادى المرتفع.

كما يؤدى زيادة معدل النمو الاقتصادى الى  زيادة الايرادات السيادية  للدولة  بسبب ارتفاع حصيلة الضرائب كنسبة من الناتج  المحلى الاجمالى بحسب معدل النمو الاقتصادى المحقق ،فضلاّ عن زيادة الانفاق الحكومى نتيجة زيادة موارد الدولة المالية ،من جهة ،ومن جهة أخرى تحقق الدولة وفراّ فى الانفاق على اعانات البطالة  بسبب تراجع معدلات البطالة ،نتيجة الوظائف التى و فرها معدل النمو الاقتصادى المرتفع للاقتصاد القومى ،كما تحقق الدولة تراجعاّ  فى  كل من عجز الموازنة العامة و الدين العام الداخلى و الخارجى كنتيجة مباشرة لمعدل النمو الاقتصادى المرتفع.

وبرغم المنافع و الآثار الايجابية الكبيرة لمعدل النمو الاقتصادى المرتفع  على الاقتصاد القومى ،الا أنه  عادة ما يكون مصحوباّ ببعض الاّثار السلبية الأخرى على على الاقتصاد ،فعادة  ما يكون معدل النمو الاقتصادى مصحوباّ بمعدل تضخم مرتفع ،ولاسيما اذا اقترن معدل النمو الاقتصادى المرتفع بزيادة  الطلب على الواردات نتيجة زيادة الدخول النقدية.

كما يصاحب  معدل النمو الاقتصادى اختلالات فى توزيع الدخول فى المجتمع ،و هذه  الاختلالات  – فى جوهرها –  أعمق تأثيراّ على الاقتصاد مقارنة بمظاهر النمو الاقتصادى الأخرى على المدى  المتوسط  و الطويل .

وتشير الاحصاءات المنشورة عن توزيع الدخول الى  تنامى ظاهرة الاختلال و عدم العدالة فى توزيع الدخل القومى ،و ذلك على مستوى دول العالم برمته ،حيث يحصل 20% من السكان على 80% من الدخل القومى،بينما يحصل 80% من السكان على 20% من الدخل القومى،أما على مستوى توزيع الانفاق العام على  قاعدة المستفيدين منه.

فنجد أن أغنى 20%  من السكان  يحصلون على 60 % من الانفاق العام متضمناّ دعم الطاقة ,و أن أفقر 80%من السكان على يحصلون على ال 40 %  المتبقية ،و ذلك فى دول  الشرق الأوسط وشمال افريقيا  سواء الدول الغنية أو الفقيرة منها.

والجدير بالذكر فى هذا السياق  أن الاقتصاد  القومى فى كل من مصر و تونس كان يحقق معدل نمو اقتصادى سنوى جيد ،بمعدل حوالى 7%  ،وذلك خلال السنوات من 2010/2005 ،وكانت كل من مصر وتونس تصنف من جانب المؤسسات  المالية الدولية  كاقتصادات واعدة يحتذى بها  عالمياّ فى مجالى الاصلاح المالى و الاقتصادى.

ولم تكن هذه الاشادات الدولية الا مجرد ترويج لنموذج التبعية المالية و الاقتصادية الذى تريده هذه المؤسسات للدول الواعدة،فهذه الاشادات الدولية سرعان ما تلاشت فور اندلاع  ثورات الربيع العربى فى تونس و مصر تحت  وطأة  تردى الأوضاع المعيشية  و الاقتصادية و ارتفاع معدلات الفقر و العوز وتفشى البطالة  و الفساد ،برغم معدل النمو الاقتصادى المرتفع فى كل من مصر و تونس ،و لكن ثماره كانت تذهب لحوالى 5% من السكان من أصحاب رؤوس الأموال الريعية و الطفيلية  فقط  ودون غيرهم من عباد الله خلق الله الاّخرين!!

ونتيجة لذلك ،فقد تطورت المؤشرات الكلية  أو الاجمالية ،بعد أن باتت  قاصرة على قياس أبعاد و افرازات  المتغيرات الاقتصادية بالدقة و الواقعية  المعبرة،وطالت مؤشر معدل النمو الاقتصادى الاجمالى  يد التطوير  ، فأصبح ينظر اليه على أنه لا يعدو أن يكون  مجرد اتجاه لنمو الاقتصاد ليس الا ،و ظهر فى الأدب الاقتصادى مؤشر جديد لمعدل النمو الاقتصادى أكثر تطوراّ و شمولاّ ،هو النمو الاحتوائى IG) INCLUSIVE GROWTH )

ويعالج مفهوم النمو الاحتوائى القصور فى معدل النمو الاقتصادى الاجمالى  وفقاّ للفكر الاقتصادى الكلاسيكي  الذى ساد العالم فى أعقاب الكساد العظيم ،والذى  يرتكز فيه معدل النمو الاقتصادى على العناصر التالية:-

  • الليبرالية الاقتصادية والمنافسة الكاملة، وعدم تدخل للدولة في الاقتصاد.
  • التراكم الرأسمالى
  • اعتماد الاستثمار على  دافع الربح  فكلما زاد معدل الأرباح، زاد معدل التكوين الرأسمالي والاستثمار.
  • تراكم رأس المال دالة فى ( يعتمد على )  كل من معدل الأرباح و الاستثمار .
  • اهمال عناصر دالة الانتاج الأخرى

وأهمل الفكر الاقتصادى الكلاسيكي توزيع ثمار النمو الاقتصادى على كافة عناصر الانتاج ،ولاسيما عنصر العمل من جهة ،ومن جهة أخرى يحصد عنصر رأس المال  معظم ثمار النمو الاقتصادى،لأن هذا الفكر الليبرالى الكلاسيكى عظم من دور رأس المال – كعنصر من عناصر  دالة الانتاج – وأهمل عناصر دالة الانتاج الأخرى وهى العمل و الأرض و التنظيم و التكنولوجيا ،ويفسر اهمال هذه العناصر التناقض بين زيادة معدل النمو الاقتصادى و زيادة معدل الفقر فى اّن واحد  فى معظم المجتمعات التى تطبق  كل من النسخة الليبرالية و الليبرالية الجديدة  لاقتصاد السوق .

ويتبنى مفهوم النمو الاحتوائى فكر التنمية الاقتصادية فى الاقتصاد الموجه أو المخطط – أى المحكوم بخطة تنمية اقتصادية – وهو الفكر الاقتصادى الاشتراكى الذى سقط فعلياّ بسقوط الكتلة الشرقية منذ ربع قرن تجرع خلالها العالم  خطايا اقتصاد السوق بشراسته كنظام اقتصادى وحيد يتحكم فيه رأس المال  فى كافة عناصر الانتاج الأخرى و يلتهم  وحده معظم ثمار نموذج معدل النمو الاقتصادى الكلاسيكى.

وتختلف التنمية  الاقتصادية عن النمو الاقتصادى اختلافاّ جذرياّ  فى أن :-

1-  التنمية  الاقتصادية تستهدف الكيف و الكم معاّ  ،بينما  يستهدف  النمو الاقتصادى الكم فقط  أى الزيادة الكمية  فى انتاج السلع و الخدمات فقط

2- التنمية  الاقتصادية ذات بعد اقتصادى و اجتماعى  SOCIO-ECONOMIC،بينما  يهمل  النمو الاقتصادى البعد الاجتماعى و يركز على البعد الاقتصادى فقط

3-  التنمية  الاقتصادية عملية هيكلية تعنى بتغيير الهيكل الاقتصادى ،بينما  يهمل  النمو الاقتصادى الهيكلية  الاقتصادية و يعنى بالزيادة الكمية فى الناتج القومى فقط.

4-  التنمية  الاقتصادية تستهدف  عدالة توزيع الدخل  و تحسين مستوى المعيشة ،بينما  يهمل  النمو الاقتصادى قضية عدالة توزيع الدخول

5- التنمية  الاقتصادية تستهدف خفض معدلات الفقر ،بينما  يعتمد نموذج النمو الاقتصادى على مجرد ارتفاع متوسط نصيب الفرد من الدخل

6-  التنمية  الاقتصادية تستهدف  إعادة توزيع عوامل الإنتاج بين القطاعات الاقتصادية المختلفة ، بينما  يعتمد  النمو الاقتصادى  وبشكل مطلق على الزيادة الكمية فى الانتاج دون اعادة توزيع لعوامل الانتاج

ومن المعروف احصائياّ ،أن المتوسط يعتبر مقياس مضلل ،حيث يعتمد مقياس معدل النمو الاقتصادى على قياس متوسط نصيب الفرد من الدخل القومى ،فلا يعبر  هذا المتوسط عن الدخول الدنيا و لا عن الدخول المرتفعة ،لذلك يعكس هذا المتوسط  دخولاّ  افتراضية و غير فعلية فى الواقع العملى.

وللتدليل العملى و العلمى على ذلك ،نفترض وجود ثلاثة أفراد دخل كل منهم  الفعلى6000 و 12000 و 24000 دولار -على الترتيب- ،اذن فمتوسط الدخل  يكون 14000 دولار ،وهو بعيد جداّ جداّ عن دخل الأول بانحراف موجب بنسبة 133%عن مستوى دخله الفعلى ،و أيضًا بعيد جدا عن دخل الثالث بانحراف  سالب بنسبة 60%عن مستوى دخله الفعلى،بينما يقارب هذا المتوسط دخل الثانى بانحراف موجب بنسبة 15%،لذلك لا يمكن أن يمثل هذا المتوسط  فعلياّ دخل الأول و لا الثالث ،بينما يمكن أن يمثل دخل الثانى فقط.

لذلك فان مفهوم التنمية الاقتصادية أعم و أشمل من مفهوم النمو الاقتصادى الكلاسيكى

وتعرف منظمة التعاون الاقتصادى و التنمية  OECD النمو الاحتوائى  بأنه ذلك النمو  الاقتصادى الذى يمنح كل  شرائح السكان  فى المجتمع  فرص المشاركة العادلة  فى الاستفادة من عوائد أو منافع  النمو  الاقتصادى النقدية و غير النقدية   .

كما يعرف البنك الدولى WB النمو الاحتوائى  بأنه ذلك  النمو الذى الذى يمكن جموع السكان من  المشاركة و الاستفادة من عوائده ،و يسفر عن خفض لمعدلات الفقر ،و يستمر فى  الأجل   الطويل  ,و يكون موزعاّ على نطاق متسع من كافة القطاعات الاقتصادية .

ويتسق كل من  التعريفين السابقين للنمو الاحتوائى مع بعضهما البعض ،ويكمن القاسم المشترك بينهما فى خصائص و سمات النمو الاحتوائى  الرئيسية التالية:-

1- المشاركة

2- الاستدامة

3- العدالة

4- التوزيع

5- مكافحة الفقر

آليات تحقيق النمو الاحتوائى

عبر الموازنة العامة لأنها الأداة الحقيقية و الأكثر تأثيراّ  لاعادة توزيع الدخول

وعبر ضخ الاستثمارات المادية

الاستثمار فى العنصر البشرى فى التعليم و التدريب و الصحة

تقديم الحوافز الضريبية و تحسين بيئة و مناخ الاستثمار

ويتسم النمو الاحتوائى بعدة خصائص تفصيلية تميزه عن معدل النمو الاقتصادى الكلاسيكى او الغير احتوائى ،نوجزها فيما يلى :-

1-  يهدف الى تخفيض معدلات الفقر فى المجتمع

2-  يتصف بطول الأجل و الاستدامة

3- يتصف بتوسيع قاعدة الفئات المستفيدة من قوة العمل

4- يتصف بكونه صديق للبيئة

5- يهدف الى  تحقيق النمو بزيادة الانتاجية

6- يهدف الى  تحقيق التنوع الاقتصادى

7- يهدف الى  تحقيق توازن فى الهيكل الاقتصادى

8- يعكس الخصوصية الاقتصادية للمجتمع

9- يهدف الى عدالة التوزيع

10- يهدف الى رفع  تنافسية الاقتصاد

و غنى عن البيان أن أهداف النمو الاقتصادى الاحتوائى و خصائصه لن تتحقق بطريقة تلقائية ،بل من خلال تدخل الدولة فى النشاط الاقتصادى و لو بشكل غير مباشر من خلال اّلية التخطيط التأشيرى ،لأن اّليات السوق وحدها  لن تنتج الا المزيد من الاختلالات فى توزيع الدخول و تفاوت الثروات على نحو تتسع معه  دوائر الفقر و حلقاتها الخبيثة فى ظل النماذج الاقتصادية الليبرالية.

وأخيرا فان نموذج النمو الاحتوائى هذا ،ما هو الا اعادة استنساخ لنموذج الاقتصاد الموجه أو المخطط و لكن بصياغة ليبرالية و بمفردات البنك الدولى الذى فشل   فشلاّ ذريعاّ على مدى سبعة عقود فى  تحقيق هدفه  – طبقاّ لسند تأسيسه – وهو خفض معدلات الفقر فى العالم التى تزداد من عام لاّخر،فضلاّ عن اتساع الفجوة بين دخول الفقراء و الأغنياء.

CNA– مقال بقلم،،أحمد الألفى ، الخبير المصرفى والمدير بأحد البنوك

موضوعات ذات صلة