Null

أحمد الألفى يكتب: فى وول ستريت.. المال لاينام أبداً

أحمد الألفى

يقع شارع وول ستريت ( Wall street في حى مانهاتن بمدينة نيويورك ، و يتقاطع  مع  شارع  برودواي ويسمى بالحي المالي أو بشارع المال و الأعمال , و توجد  به  بورصة نيويورك و العديد من مقار كبرى الشركات و المؤسسات المالية , و منه تدار أموال العالم بأسره.

وتاريخيًا  أطلق عليه هذا الإسم فى عام 1699 بسبب قيام الهولنديون ببناء جدار يصل إرتفاعه إلى أربعة  أمتار للدفاع  عن مدينة نيويورك  – عندما كانت أحد  المستوطنات الهولندية –  و للحيلولة دون  إحتلال بريطانيا لها ، ولكن نجحت القوات البريطانية  فى هدم  السور وإحتلال مدينة نيويورك , و أطلقوا على الشارع الذي كان فيه الجدار المهدوم  إسم  وول ستريت .

والمال لا ينام أبداً هو الأسم التجارى للفيلم السينمائى الأمريكى وول ستريت (2) (2) WALL STREET

وهو الجزء الثانى للفيلم السينمائى الأمريكى أيضاً وول ستريت (1) والذى كان قد عرض فى عام 1987، ويأتى هذا الجزء الثانى من هذا الفيلم تأثراً بالأزمة المالية العالمية طبعة 2008، ويتميز هذا الفيلم بالتناول الدقيق لنفوذ أباطرة وول ستريت شارع المال فى نيويورك ، حيث تدار أموال العالم من هذا الشارع الشهير، حيث يسيطر المال على كل شئ وفى كل بقاع الأرض دون أى مبالغة أو تهويل.

والفيلم بطولة الممثل المتميز ما يكل دوجلاس وهو نجل الممثل الكبير الراحل كبرك دوجلاس، ويصور سيناريو وحوار الفيلم نفوذ أباطرة المال فى هذا الشارع الكبير، وبطبيعة الحال لا يتسع المجال لسرد أحداث هذا الفيلم المهم بالنسبة للمصرفيين والمتهمين بشئون الإقتصاد و المال، و سنتوقف عند عدة عبارات ذات مغزى و معنى ودلالة كبيرة على مجريات الأمور هناك.

ففى مشهد قبل إندلاع الأزمة المالية العالمية يسلط الفيلم الضوء على أحد أبطال الفيلم الذى يصور الوضع الإقتصادى فى الولايات المتحدة قبل الأزمة حيث يقول فى سياق الحوار أن العالم أصبح يعتمد على الإستهلاك لا على الإنتاج، وفى الواقع نجد أن فى هذه المقولة على قدر كبير جدًا من الصحة، حيث يعيش معظم الناس فى مستوى أكبر من إمكانياتهم المادية، أى أكثر من إنتاجيتهم، وهذا الفرق بين الإمكانيات الحقيقة وبين الإستهلاك تتم تغطيته بالإفتراض عن طريق القروض الشخصية وبطاقات الإئتمان وشراء كل شئ وأى شئ بالتقسيط، أى بوجود تسارع فى الإستهلاك وتراخى فى الإنتاج.

ولعل هذا التسارع الإستهلاكى  يعد أحد أهم أسباب التضخم على المستوى العالمى والمحلى أيضاً، ولكن الغريب أن المجتمع الأمريكى صاحب أكبر قدرة إنتاجية فى العالم يشكو من ضعف الإنتاج والإفراط  فى الإئتمان مقارنة بالإستهلاك ؟ فكيف يكون الوضع فى العالم الثالث؟

أعتقد أن الوضع أسوأ لأن العالم الثالث لا ينتج إلا الفتات من الناتج العالمى ويستورد كل شئ من العالم الأول.

وفى مشهد آخر من الفيلم تدور أحداثه حول تجمع أباطرة و فطاحل وول ستريت فى حفلة فى إحدى القاعات وإذا بأحد الحضور يعلق  تعليقاً عميقاً وساخراً ، حيث قال لو تم تفجير هذه القاعة الآن لن يجد العالم من يحكمه !! ، و تؤكد هذه العبارة سطوة ونفوذ أباطرة شارع المال فى نيويورك.

وتدور أحداث الفيلم فى سياق محكم يرصد الممارسات التى أدت إلى وقوع الأزمة المالية التى أسفرت عن إنهيار أسعار العقارات وإفلاس الشركات و البنوك، وهنا يهم أحد أبطال الفيلم الخارج من السجن حديثاً بعد إدانته فى جرائم مالية، بالبحث عن الشركات الخاسرة والمفلسة ليقوم بشرائها بأسعار بخسة جداً ليقوم بإعادة تأهيلها وبيعها بعد ذلك بأسعار مرتفعة، وفى الواقع يتخذ هذا النشاط إسم رأس المال المغامر أو القناص الذى يقتنص الفرص ويكشف  بجلاء عن الوجه الإنتهازى والقبيح للرأسمالية

ولعل المشاهد الأكثر تأثيرأ تلك المشاهد التى تصور السماسرة والمستثمرين المتعاملين فى البورصات وهم يتابعون شاشات التداول والأسعار داخل البورصات وتحديداً بشارع وول ستريت، فالإنطباعات كانت تبدو جلية ومعبرة على الوجوه فى سلوك لا يختلف كثيراً عن سلوك لاعبى القمار والرهان فى سباق الخيل.

فتلك هى المضاربات التى لا يحكمها منطق تجارى ولا إقتصادى، بل مجرد سلوك  مالى بوهيمى للرغبة فى تحقيق الربح وإحراز الثروة دون أى مجهود و لا فكر و لا عمل ، بل مجرد مغامرة تخضع للحظ أحياناً وللتلاعب والإشاعات والتأثير على أسعار أسهم معينة لصالح أشخاص معينة وعلى حساب جميع المضاربين المغفلين فى أحيان أخرى ، فهكذا  تقود مافيا وول ستريت جميع المضاربين كالقطيع وتحقق ما تريد من أموال بالتلاعب، وبالنفوذ وبالرشاوى وبالإحتيال المحكم العلمى والمنظم و الذى يطلق عليه محاسبياّ الاّن مصطلح المحاسبة الإبداعية  creative accounting!!

إنه ليس مجرد فيلم، بل محاضرة شيقة ومصورة من داخل قلاع الرأسمالية تصور لنا كيف تدير عصابة وول ستريت أموال العالم بلا حد أدنى من الممارسات الأخلاقية.

وأخيراً فإن قانون إصلاح وول ستريت المعروف إعلامياّ بأسم قانون دود- فرانك والذى صدر مؤخراً  فى الولايات المتحدة ويقع فى 2000 صفحة بعد أن فشلت عصابة وول ستريت هذه فى عرقلته، هل سيصلح شارع المال فى أمريكا؟؟ وهل سيحد من نفوذ هذا الشارع على مقدرات العالم الإقتصادية ؟؟

أعتقد أن هذا القانون لن يفلح لأن المضاربات هى الفكر المسيطر من جهة، ومن جهة أخرى فإن كبر حجم القانون وتعدد مواده ونصوصه أمر يجعل تطبيقه عملياً  أمر فى غاية الصعوبة، كما أن تغلغل عصابة وول ستريت وتوغلها المستمر فى المجتمع الأمريكى سوف يحد من شفافية آليات الرقابة  المصرفية  و يجعلها مجرد حبر على ورق كربون .

وفعلًا.. و مع تولى رجل المال و الأعمال دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة سارع بتوقيع مرسومين لمراجعة الضوابط التى فرضها قانون دود- فرانك  لإصلاح وول ستريت والذى صدر فى الولايات المتحدة فى عام 2010 فى أعقاب الازمة المالية العالمية , مما ينذر بعودة الإنفلات المصرفى  الأمريكى و العالمى مرة أخرى تأثراّ بنفوذ و سطوة  أباطرة  وول ستريت.

حكمة مازحة

لماذا لا ينام المال؟؟

لأنه يخاف من الكوابيس؟؟

CNA– مقال بقلم أحمد الألفى، الخبير المصرفى والمدير السابق بأحد البنوك