Null

أحمد الألفي يكتب: الدبلوماسية المالية

أحمد الألفي

تنتهج الدول الكبرى أو ما يطلق عليها مجموعة العشرين مؤخراّ سياسة حصيفة للحوار تسمى الدبلوماسية المالية  FINANCIAL LIPLOMACY، وتهدف الدبلوماسية المالية إلى إزالة التوتر والخلاف الناشئ بين طوكيو و واشنطن حول أٍسعار صرف كل من الين اليابانى والدولار الأمريكى.

والهدف الرئيسى والمباشر للدبلوماسية المالية هو نزع فتيل حرب العملات الناشئ بسبب السياسات النقدية التوسعية التى تمارسها حكومات كل من الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان.

حيث تؤدى سياسات التوسع النقدى التى تتبناها السلطات النقدية فى هذه الدول إلى التأثير على أسعار صرف عملاتها بالإنخفاض فى أسواق الصرف العالمية مما يزيد من تنافسية منتجاتها فى الأسواق العالمية تاثراّ بإنخفاض أسعار صرف عملاتها و الذى ينعكس مباشرة على أسعار منتجاتها بالإنخفاض.

حيث تحاول هذه الآلية الجديدة وهى الدبلوماسية المالية الوصول إلى إتفاق بين الدول الكبرى صاحبة العملات العالمية الرئيسية من شأنه عدم إنتهاج أية سياسات نقدية من شأنها التأثير على أسعار صرف عملاتها والتأكيد على ترك أسعار صرف عملاتها لقوى السوق أى العرض والطلب.

ولاشك أن سياسات التوسع النقدى التى تتبناها حكومة اليابان بكثافة قد أدت إلى تراجع قيمة الين اليابانى أمام العملات العالمية الرئيسية كالدولار الأمريكى واليورو والجنيه الإسترلينى، وتهدف حكومة اليابان من جراء سياسة التوسع النقدى إلى إجراء خفض متعمد ومستدام فى قيمة اليمن اليابانى بهدف تنشيط ودفع الصادرات اليابانية.

وإزاء هذه السياسة اليابانية سارعت حكومات كل من بريطانيا والولايات المتحدة إلى تبنى سياسات نقدية توسعية مماثلة للسياسة اليابانية للحد من إرتفاع  قيمة كل من الجنية الإسترلينى والدولار الأمريكى أمام الين اليابانى المنخفض إصطناعياً، فالكل يهدف إلى زيادة حصته من كعكعة التجارة العالمية إعتماداً على إجراء تخفيض مصطنع فى سعر صرف عملته.

وتحاول الدبلوماسية المالية جاهدة التوصل لإنفاق ملزم لكافة الدول الكبرى يتمخض عن إنتهاج سياسة نقدية موحدة تجاه أسعار الصرف، لكن مثل هذا الإتفاق لم تتمخض عنه بعد جهود الدبلوماسية المالية حتى تاريخه و التى لا تعدو ان تكون إلا مجرد مبادئ نظرية ليس إلا.

وكانت الولايات المتحدة قد إنتهجت سياسة التحفيز النقدى عن طريق التوسع الكمى فى شراء سندات طويلة الأجل أملاً فى تحقيق إنتعاش إقتصادى يؤدى لخلق مزيد من فرص العمل، ولكن هذه السياسة التوسعية إعتبرتها اليابان بمثابة سياسة نقدية تستهدف تخفيض قيمة الدولار الأمريكى أمام العملات الرئيسية ، بينما تراها الولايات المتحدة مجرد سياسة مالية أمريكية محلية أو داخلية ، وهنا تحاول الدبلوماسية المالية تقريت وجهات النظر بين ما هو محلى و بين ما يستهدف التأثير على سعر صرف الدولار بالإنخفاض فى أسواق الصرف العالمية.

وتدور رحى حرب العملات بين الدول الكبرى أساساً بسبب التجارة الدولية و بالأخرى إعتماداً على ما يعرف إقتصادياً بسياسة تخفيض القيمة الخارجية للعملة لدفع وزيادة الصادرات، فعندما يكون الين اليابانى منخفض نسبياً أمام الدولار الأمريكى تكون الصادرات اليابانية أرخص نسبياً من الصادرات الأمريكية ومن ثم تزداد الصادرات اليابانية وتنخفض الصادرات الأمريكية إعتماداً على إنخفاض سعر العملة وليس إعتماداً على إنخفاض أسعار السلع المصدرة  ذاتها ، وبالطبع تمارس الدول الكبيرة هذه السياسة منذ أمد بعيد، لأن إقتصاديات هذه الدول تتمتع بمرونة عرض كبيرة جداً فى جهازها الإنتاجى.

وهذا الشرط يجب توفره فى إقتصاد الدولة التى تنتهج سياسة تخفيض القيمة الخارجية للعملة لدفع الصادرات. ومن أبسط الأدوات التى تستخدمها السياسة النقدية للتأثير على تخفيض القيمة الخارجية للعملة التوسع النقدى وخفض سعر الفائدة على العملة ليكون أقل من ٍأسعار الفائدة على العملات الحرة الأخرى المنافسة

وبطبيعة الحال لا تصلح سياسة تخفيض القيمة الخارجية للعملة لدفع الصادرات فى الدول النامية مثل مصر، لأن إقتصادها  إستيرادى بحت و لا يتمتع بهيكل إقتصادى متوازن وليس لديه أى مرونة عرض فى جهازه الإنتاجى، ومن ثم فإن الترويج لإنتهاج مثل هذه السياسة فى الدول النامية  بمعنى سياسة تخفيض العملة و / أو تعويم العملة  يعد من قبيل الإنتحار الإقتصادى و الخراب المستعجل !!

ولقد فشلت الدبلوماسية المالية فشلاّ ذريعاّ مع تولى ترامب رئاسة الولايات المتحدة الامريكية بسبب قيامه بإشعال فتيل الحروب التجارية مع كل من الصين  و أوربا متبنياّ سياسة برجماتية و عدائية تجاه منافسيه من جهة، ومن جهة أخرى منتهجاّ أساليب البلطجة المالية و الإقتصادية ضد دول الأوابك و فى مقدمتها المملكة العربية السعودية و التى رضخت لإملاءاته و زودت إنتاج البترول ( العرض ) لينهار سعر البرميل من 80 دولار إلى 50 دولار.

حكمة مازحة

متى تنجح الدبلوماسية المالية؟

عندما لا تتضارب المصالح !!

CNA– مقال بقلم،، أحمد الألفي، كاتب وخبير مصرفي