د.هالة السعيد :السد العالى ملحمة قومية ودروس منسية

هالة السعيد
د.هالة السعيد

مر أكثر من نصف قرن من الزمان على بناء صرح السد العالى، والذى تم تصنيفه كواحد من بين أعظم 10 مشاريع هندسية عملاقة فى العالم، كما تم اختياره كأفضل مشروع بنية أساسية فى العالم فى القرن العشرين.

ارتبط السد العالى ذلك المشروع العملاق الذى بلغت تكاليف بنائه فى الستينيات 400 مليون جنيه وهو رقم يقفز إلى أكثر من 20 مليار جنيه فى حال تشييده الآن ـ بمشروع مصر القومى الذى تكاتفت حوله الإرادة الوطنية وقاده فى حينه الرئيس جمال عبدالناصر، وخاض من أجله مواجهات سياسية مع الولايات المتحدة الأمريكية دون أن يترك لها مجالا للمساومة حتى فى ظل ظروف التمويل العصيبة.

كيف تمر هذه الذكرى الذهبية لبناء السد العالى الذى استطاع أن يغير مصير شعب بأكمله، دون أن يلتفت لها أحد، كيف تغيب عن أجندة الدولة الرسمية، وتتجاهل الحكومة الحدث الأبرز فى القرن الماضى بعد حرب أكتوبر المجيدة. سيظل السد العالى رمزا لطاقة الأمة، شاهدا على العطاء، ملحمة التحدى والإصرار، ومهما حدث من تجاهل سيبقى خالدا يرمز لمصر ونمائها، فهو الطاقة المتجددة التى تضىء مصر الساهرة ويروى عطش نباتها. قد تكون الأحداث الجسام حالت دون الانتباه، وقد تكون المواقف وتصفية الحسابات تدخلت فى خلط المفاهيم، غير أن الثابت هو أن السد العالى لم يكن نتاج عمل شخص، حتى وإن كان جمال عبدالناصر، بل هو تضحيات شعب مصر، ومقياس جديد على جهده الوفير، الذى يمتد من بناء الاهرامات وحفر قناة السويس وتشييد القناطر الخيرية.

لسنا فى حاجة لمعرفة مميزاته وفوائده، وإسهامه فى الدعم المائى وتوفير الطاقة لمصر، فيكفى أن نتخيل كيف يكون حال مصر بدون السد العالى؟ شىء فى غاية الخطورة على مصر، التى تكافح من أجل الحفاظ على مكتسباتها من حصص مياه النهر الخالد، فى ظل السدود الإثيوبية المخيفة. لم تكن كلمات الشاعر الكبير أحمد شفيق كامل عندما قال «قلنا هنبنى وأدى إحنا بنينا السد العالى» إلا تلخيصا لتحدى وقدرة المصريين.

قررت كتابة هذا المقال لتذكرة شباب وأبناء هذا الوطن بهذا الإنجاز الفريد، وحتى ألقى الضوء لشباب هذا الجيل حول قيمة وأهمية هذا الصرح العظيم، فى الوقت الذى نشهد فيه العديد من الإحباطات والمحاولات لطمس إنجازات مصر العظيمة التى مهما تم تناسيها وتجاهلها ستظل شامخة وضاءة بعظمة هذا الشعب. حكاية السد بدأت منذ أقدم العصور، حينما أدرك المصريون أهمية النيل فى حياتهم، فكان التفكير فى بناء سد لتخزين مياه النيل فى السنوات ذات الوفرة المائية لاستخدامها فى مواجهة قلة أو ندرة المياه خلال سنوات الجفاف، حتى يقى مصر من مخاطر الجفاف أو الفيضان الذى قد يغرق المحاصيل. وما عزز من نجاح مشروع بناء السد العالى، هو أن أحلام ورؤى جيل ثورة 23 يوليو 1952 كانت تنحاز للطبقة الفقيرة محدودة الدخل، وكانت تسعى دائما إلى رفع المستوى المعيشي للفلاح وتنمية موارد وقدرات مصر الزراعية والصناعية. لقد وضعت قيادة ثورة يوليو 1952 قضية التنمية على قائمة أولوياتها، حيث تم إنشاء المجلس الدائم للإنتاج كهيئة مستقلة تتبع رئاسة مجلس الوزراء، ليتولى مهمة بحث ودراسة المشاريع الاقتصادية الكبرى، ووضع مخطط وطنى متكامل للتنمية الاقتصادية. وبدأ المجلس في مجموعة من الدراسات بالاستعانة بعدد من كبار الخبراء المصريين، من أمثال المهندسين محمود يونس وسمير حلمى وعبدالحميد ابوبكر. كما تم الإستعانة بالمهندس اليونانى ادريان دانينوس والمهندس الإيطالى لويجى جاليلو عام 1955، اللذين تقدما بمشروع هندسي للتخزين المستمر على النيل في موقع جنوب أسوان، وهو الموقع الذى تم اختياره لبناء السد العالى بعد ذلك.

وفى يوليو 1956، وبعد سحب تمويل السد العالى من البنك الدولى، تم الاستعانة بأحد الخبراء الروس ويُدعى ماليشيفا والذى صمم سد وارسو على نهر الفولجا، وتم دراسة جميع الآثار المترتبة على بناء السد العالى، من تعويض السودان لغرق مدينة حلفا أو تهجير أهالى مدينة النوبة. وبعد الانتهاء من دراسة جميع الجوانب، تم إطلاق إشارة البدء في تشييد السد العالى فى يناير 1960 بحضور الرئيس المصرى الراحل جمال عبدالناصر، ومجموعة من الرؤساء والملوك العرب، من بينهم الرئيس السورى شكرى القوتلى، والملك محمد الخامس ملك المغرب، والرئيس اليمنى عبدالله السلال.
وتعاقب على وزارات السد العالى منذ إطلاق إشارة البدء وحتى الانتهاء من بنائه في يناير 1971 مجموعة من خيرة مهندسي مصر وهم المهندس موسى عرفة، والدكتور حسن زكى، والمهندس صدقى سليمان، والمهندس حلمى السعيد.
إن تنفيذ مثل هذا المشروع العملاق، كان يحتاج لقرار سياسي جرىء ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، لتحويله من مجرد فكرة، إلى واقع ملموس، فهو «الحلم القومى» الذى تم تجنيد كل الطاقات والإمكانات والخبرات له حتى موضع التنفيذ.

قد يكون لي انحيازات شخصية لهذا الإنجاز المصري العظيم، فوالدي رحمة الله عليه، كان من بين الآلاف من أبناء مصر الأوفياء الذين ساهموا بمجهوداتهم في تشييد هذا الصرح، وكان أخر وزير للكهرباء والسد العالي، وبحكم عمل والدى كُنت أتابع عن قرب، كملايين المصريين التطورات المختلفة لمراحل بناء السد العالي بفرحة واشتياق، لأن نري هذا الحلم المصري، يتحول الي حقيقة وواقع ملموس.
اكتب ذلك في ظل ما يعاني منه الاقتصاد المصري من تحديات جسيمة، وفي ظل جهود الحكومة المصرية الحثيثة للحصول علي قرض صندوق النقد الدولي، ومحاولة الحصول علي بعض المساعدات الدولية والعربية المختلفة متمثلة في بعض الاستثمارات العربية والقطرية، وأدعو القائمين على الحكم في مصر، لإعطاء أولوية قصوي لبناء مشاريع وطنية كبري، وأرى أنه من الضرورى وجود لجان متخصصة ينوط إليها طرح مثل هذه المشروعات ودراسة الجدوى والعائد منها،، مع ضرورة وجود دعم حكومى لها، من أجل تعبئة الجهود الوطنية، وجذب الاستثمارات العربية والأجنبية، وفقا لمعايير مصرية وطنية.

فأهمية المشروعات القومية لا تأتي فقط، لما توفره من فرص عمل وما تهدف إليه من خلق طاقة إنتاجية جديدة للاقتصاد القومي، ولكن الأهم من ذلك هو درجة المشاركة الشعبية فى مثل هذه المشروعات خاصة من أهل العلم والخبرة والمهنيين والقوي الاجتماعية والسياسية التي تساهم فى مثل هذه المشروعات، مؤمنة بالعائد المتوقع علي أمن كل مواطن اقتصاديا واجتماعيا.

لذا أرجو أن يدرك القائمون علي الحكم أن السد العالي، من أعظم إنجازات مصر، وسيظل يسطع في سماء مصر، يعبر بكل صدق عن مرحلة مهمة من مراحل تاريخ المصريين ونضالهم من أجل كرامتهم ومصريتهم وعروبتهم، وأرى أن ذكرى بناء السد العالى، هى عيد وطنى لكل المصريين، فلماذا هذا التجاهل؟.

موضوعات ذات صلة