( رأى) .. شهران ونصف الشهر على المؤتمر الاقتصادى والنتيجة لا شىء

MOHAMMED REDA
محمد رضا

بعد النجاح الكبير والذي فاق التوقعات الذي حققه مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري “مصر المستقبل” والذي عقد فى شرم الشيخ في الفترة من 13 إلي 15 مارس 2015 من حيث المشاركة ومستوى الأعضاء المشاركة والتنظيم والتأمين والرؤى الإصلاحية والحصيلة الاستثمارية، وبعد مرور شهرين ونصف على انتهاء المؤتمر نجد أن هذا النجاح مهدد بالضياع بعد أن وجدنا أنه لم تقم الحكومة بأي شىء يذكر في سبيل استغلال نجاح هذا المؤتمر لتحقيق آمالنا لبداية الطريق نحو تنمية اقتصادية شاملة تدفع الاقتصاد القومي من حالة التعثر التي تطارده حالياً.

وبعد حضوري هذا المؤتمر فقد تملكتني حالة كبيرة من التفائل وشعرت حينها بأن هناك روح جديدة وطريقة تفكير مختلفة ورغبة حقيقة في تحقيق الإصلاح الاقتصادي وكان نجاح هذا المؤتمر بالنسبة لي قد أعاد أمال تحقيق تنمية اقتصادية تعيد الروح مرة أخرى فى الاقتصاد المصرى الذى يبحث عن مخرج من كبوته.

ولكن بمرور الأيام والأسابيع والشهور لم أجد شيئاً ينفذ مما تم أعلانه في المؤتمر أو حتى الشروع في البدء في التنفيذ وقد كنت حذرت في أعقاب أنتهاء المؤتمر من خطورة التراخي في تنفيذ الوعود التي قطعتها الحكومة على نفسها للاصلاح الاقتصادي ووعود تحفيز الاستثمارات الاجنبية لأن بنجاح هذا المؤتمر أرتفع سقف التوقعات بشكل كبير لدى العالم والمؤسسات الدولية والمستثمرين الأجانب والتي شاركت بهذا المؤتمر والذي حظى بمشاركة واسعة لم تحدث من قبل في مؤتمر اقتصادي وذلك بنحو أكثر من 80 دولة من مختلف قارات العالم ونحو 25 منظمة إقليمية ودولية و2500 مشارك و775 شركة، وعدم تنفيذ ماقطعناه على أنفسنا أمامهم من وعود سيضرب المصداقية والثقة للاقتصاد المصري في مقتل يصعب معه مستقبلاً أستعادتها مرة أخرى.

فقد وعدت الحكومة بإصلاحات واسعة في منظومتها التشريعية للقوانين الاقتصادية والاستثمارية التي تحكم البيئة الاستثمارية والاقتصادية في مصر وأعلنت عن إعداها قانون موحد للاستثمار وصياغة مجموعة من التشريعات الجديدة لتتراجع بعد ذلك ويقتصر الأمر على بعض التعديلات على قانون الاستثمار الحالي التي صدرت في اللحظات الأخيرة قبل أنعقاد المؤتمر بساعات وبالرغم من ذلك فلم تصدر اللائحة التنفيذية لهذه التعديلات حتى الان لتظل فكرة الشباك الواحد التي شملتها التعديلات وأمال تطبيقها وخروجها للنور حبر على ورق حتى الآن.

ووعدت الحكومة أيضاً قبل المؤتمر أيضاً بساعات على تخفيض ضريبة الدخل إلي 22.5% ولكن حتى الآن لم تقم الحكومة بتعديل تشريعي لقانون ضريبة الدخل لتطبيق ذلك، حتى مشروع تنمية أقليم قناة السويس لم تقم بالتعديلات اللازمة على قانون المناطق الاقتصادية ذات الطبيعة الخاصة الذي سينظم عمل هذا المشروع ولم تنشأ الهيئة المنوطة بأعمال إدارة مشروع تنمية أقليم قناة السويس.

كما عرضت  الحكومة خلال المؤتمر رؤيتها للإصلاح الاقتصادي وتشجيع وجذب الاستثمارات تحت اسم “رؤية مصر 2030” وهي استراتيجية التنمية المستدامة للخمسة عشر عاماً المقبلة كما عرضت إطار الاستثمار متوسط الأجل للفترة من 2014/2015 وحتى 2018/2019، والتي لم تبدأ حتى الآن في وضع الآليات التنفيذية لتحويل هذه الرؤى إلي خطط تنفيذية تضعنا في بداية الطريق نحو تنمية اقتصادية شاملة.

كما اختتم مؤتمر “مصر المستقبل” بإعلان أن حصيلة ما تم التوقيع عليه من عقود واتفاقيات ومذكرات تفاهم خلال المؤتمر وصل إلى 175.2 مليار دولار أميركي، وتشمل هذه الحصيلة 15 مليار دولار في عقود استثمار تم التوقيع عليها خلال المؤتمر، و18 مليار دولار في اتفاقيات بناء وتوريد وتمويل محطات للطاقة، و5.2 مليار دولار قروضاً ومنحاً من مؤسسات التمويل الدولية، و92 مليار دولار في مذكرات تفاهم لمشروعات جديدة وتوسعات في مشروعات قائمة.

هذا بالإضافة إلى مذكرة التفاهم الخاصة بمشروع إنشاء عاصمة إدارية جديدة باستثمارات قيمتها 45 مليار دولار وحتى الآن لم تبدأ في تنفيذ التعاقدات الاستثمارية التي تم التوقيع عليها بشكل نهائي خلال المؤتمر، أما بالنسبة للاتفاقيات ومذكرات التفاهم فلم يتم العمل على أن تتحول الاتفاقيات ومذكرات التفاهم إلي تعاقدات فعلية.

وكما نعلم بأن التعاقدات الاستثمارية تتنوع مابين العقود والتي تعتبر محل التنفيذ أما الاتفاقيات فهي عبارة عن اتفاق على التعاقد ولكنه غير ملزم وأخيراً مذكرات التفاهم فهي عبارة عن خطاب نوايا، وتعتبر الاتفاقيات ومذكرات التفاهم المرحلة التي تسبق التعاقد الفعلي وكان الرهان والآمال أن تنجح الحكومة بعد المؤتمر في تحويل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم إلي تعاقدات فعلية ولكنه لم يحدث حتى الآن.

والشىء الوحيد الذي تحقق من المؤتمر هو الدعم الخليجي بوصول الجزء الأول من المساعدات الخليجية في صورة ودائع لدى البنك المركزي المصري بقيمة 6 مليار دولار أمريكي وتحققت الفوائد الإيجابية التي توقعتها في أعقاب أنتهاء المؤتمر بوصول هذه المساعدات وذلك بزيادة احتياطي النقد الاجنبي لدى البنك المركزي المصري لمستويات 20 مليار دولار أمريكي وقيام وكالات التصنيف الائتماني العالمية برفع درجة التصنيف الائتماني لمصر.

وكان إجمالي المساعدات الخليجية التي أعلنت بالمؤتمر قد بلغت 12.5 مليار دولار تتوزع بواقع 4 مليار دولار من الكويت و4 مليار دولار من السعودية و4 مليار دولار من الأمارات بالإضافة إلي 500 مليون دولار أمريكي من سلطنة عمان وتنقسم إلي ودائع لدى البنك المركزي بقيمة 6 مليار دولار أما الجزء الثاني بقيمة 6.5 مليار دولار والذي من المفترض أن يكون في شكل استثمارات مباشرة فأنه حتى الآن لم تضع الجكومة كما هو متفق مع الحكومات الخليجية الخطة الاستثمارية لاستثمار الجزء الثاني من الدعم الخليجي.

يجب أن نعلم أن نجاح هذا المؤتمر كان بمثابة البداية القوية والحقيقة لطريق طويل من الإصلاح للاقتصاد المصري، والتباطؤ في أستغلال نجاح هذا المؤتمر والاستمرار في النهج البيروقراطي والاعتماد فقط على زيادة إيرادات الدولة من خلال مزيد من الجباية وفرض الضرائب دون العمل على توسيع القاعدة الاستثمارية ومضاعفة حجم الاقتصاد ستجعلنا نظل ندور في ذات الحلقة المغلقة وستطيح بآمال تحقيق الإصلاح الاقتصادي وسيضع مصداقية الاقتصاد المصري في مهب الريح بعد أن ارتفع سقف التوقعات بنجاح المؤتمر لنطيح بكل ذلك في النهاية.

لذلك يجب علينا أن نعي ذلك وأن تتحرك الحكومة بشكل سريع وأن تعي قيمة الوقت والوعود التي قطعتها على نفسها وأن تعمل وبكل قوة وبشكل سريع على تنفيذ كل ماتم طرحه خلال المؤتمر للحفاظ على الثقة والمصداقية التي تم بنائها خلال هذا المؤتمر والعمل على تنفيذ العقود والاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقعة على هامش القمة والعمل على القضاء على البيروقراطية والفساد في الجهاز الإداري للدولة والقضاء على مايسمى بالدولاب الحكومي والذي أصبح يعيق الدولة بأكملها وسرعة أصدار تعديل قانون ضريبة الدخل.

كما وعدت الحكومة بتخفيض الضريبة إلي 22.5% وإصدار اللائحة التنفيذية لتعديلات قانون الاستثمار وتطبيق نظام الشباك الواحد، وإصلاح التشريعات الاقتصادية والاستثمارية وأهمها قوانين الصناعة والشركات والأفلاس وسوق المال وإصلاح المنظومة الضريبية وحل منازعات المستثمرين القائمة مع تفادي تكرارها من خلال قوانين توضح الحقوق والواجبات مع الالتزام بعدم تغيير التشريعات بعد تعديلها وخاصة الضريبية منها لفترة زمنية كبيرة ومنح محفزات استثمارية غير قائمة على الاعفاءات الضريبية فقط بالتزامن مع وضع خريطة استثمارية لمصر توضح نظم الاستثمار المتاحة.

ويجب علينا أن نقدم مثالاً لنجاح القطاع الخاص والذي بمجرد نجاحه وقيادته للنمو في الاقتصاد المصري سيكون جاذباً للاستثمار الاجنبي للدخول إلي مصر، وإستكمال العمل على تعزيز الاستثمار وخلق فرص مواتيه لجذب رؤوس الأموال وتحسين بيئة الأعمال والانفتاح الاقتصادي بشكل أكبر وتهيئة البيئة المناسبة والمشجعة للقطاع الخاص بالإضافة إلي العمل على استقرار الوضع الامنى فى مصر واستكمال خارطة الطريق السياسية.

بقلم – محمد رضا ، المحلل المالي والاقتصادي لأسواق المال والاقتصاد

موضوعات ذات صلة