“عثمان الخويطر” يكتب : الذروة الصغرى والكبرى لإنتاج النفط

OTHMAN KHOITER
عثمان الخويطر

تطرقنا فى أكثر من مناسبة عن مستقبل ذروة إنتاج البترول، وهو موضوع ذو أهمية،ومع ذلك يكثر الاختلاف حوله بين المحللين والمتخصصين لأسباب جوهرية تتعلق غالبا بخلفية المتحدث، أو حتى بأمور سياسية.

والذروة تعنى في مفهومها العام وصول الإنتاج إلى قمة عطائه واقترابه من مرحلة الانخفاض القسري، وبدء انخفاض إنتاج البترول له دلالات قد لا تكون مريحة بالنسبة للمجتمع الدولي، فهو بمنزلة إعلان احتمال ارتفاع أسعار البترول إلى مستويات قياسية وضرورة الإسراع في إيجاد البدائل المناسبة، ومن ضمنها المصادر المتجددة المعروفة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح المتوافرتين لدى الجميع.

وحتى سنوات قليلة مضت، كان هناك شبه اتفاق عام على قرب الوصول إلى ذروة الإنتاج. والاختلاف كان فقط حول توقيتها، فمنهم من كان يقول ببلوغها في منتصف العقد الماضي والبعض الآخر كانوا يتوقعون حدوثها بعد ذلك بعشر سنوات، وقبل بضع سنوات، بعد بدء إنتاج البترول الصخري والضجة الإعلامية الكبيرة التي رافقت ظهوره، استبعد الكثيرون بلوغ ذروة الإنتاج البترولي خلال السنوات القليلة المقبلة.

حتى إن هناك من أصبحوا غير مؤمنين بوصول الإنتاج إلى الذروة مع وجود كميات كبيرة من البترول غير التقليدي بأنواعه المختلفة. وهذا غير صحيح ولا منطقي لأن إنتاج غير التقليدي شحيح ومكلف ولا يفي بمتطلبات المجتمع الدولي في حالة انخفاض إنتاج التقليدي الرخيص.

فالذين يقولون بذلك، هم، إما من المحللين والكتاب الذين ربما لا يدركون الفرق بين إنتاج البترول التقليدي ونوع غير التقليدي، أو من المسؤولين الذين تشغل بالهم الأمور السياسية أكثر من الاقتصادية، ونحن يهمنا في الدرجة الأولى ما يتعلق بأمور اقتصادنا ومستقبل شعوبنا في هذه المنطقة من العالم، التي تكاد تخلو تماما من المصادر الطبيعية الأخرى.

وفي الواقع، والأكيد طبعا، أن هناك فارقا كبيرا بين البترول التقليدي الرخيص، كما يطلق عليه أحيانا، وبين البترول غير التقليدي المكلف. فالبترول التقليدي غزير الإنتاج مقارنة بغير التقليدي وعملية إنتاجه لا تحتاج إلى أكثر من حفر البئر واستقبال تدفق الزيت. وهو الذي يمد العالم اليوم بأكثر من 90 مليون برميل يوميا. وما يزيد قليلا عن ستة ملايين برميل من غير التقليدي.

وعمليا، فإن إنتاج البترول التقليدي اقتصاديا على مستوى العالم قد بلغ ذروته، والدليل البين هو ظهور إنتاج البترول الصخري. إذ لو لم يكن المجتمع الدولي في حاجة إلى مزيد من الإنتاج فوق ما كان يوفره التقليدي الرخيص، لما اضطررنا إلى البحث عن روافد أكثر تكلفة. ومن الشواهد الأخرى ارتفاع الأسعار إلى ما يزيد على 100 دولار للبرميل ،وهي أيضا إشارة إلى توقع حدوث شح كبير في الإمدادات نتيجة لوصول الذروة.

ونستثني ما حدث للأسعار خلال السنتين الماضيتين من انخفاض كبير لم يكن متوقعا، ونعزو ذلك لعوامل سياسة وليس اقتصادية، سوف تزول وتعود الأمور إلى سابق عهدها.

وقد يطرأ على البال السؤال التالي، لماذا لم ينخفض إنتاج التقليدي، كما كان متوقعا، ما دام أنه قد بلغ الذروة قبل سنوات، مع غياب شبه تام لأي اكتشافات جديدة؟ والجواب المبسط هو أنه فعلا كان من المفترض أن الإنتاج ينخفض تدريجيا. ولكنه ظل ثابتا عند مستواه الذروي “البلاتو” لفترة زمنية تتناسب مدة دوامها طرديا مع قيمة الصرف المالي الذي نضخه في عمليات الإنتاج من أجل المحافظة على مستواه الحالي.

ونحن هنا لا ننفي وجود كميات هائلة من البترول غير التقليدي، يزيد احتياطيها عن أربعة تريليونات برميل، من أنواع البترول الصخري والصخر البترولي والرمل البترولي والبترول الثقيل وحقول المناطق المتجمدة وأعماق البحار. فإذا استطعنا إنتاجها حسب جدواها الاقتصادية، فسيظل الإنتاج العالمي، من التقليدي وغير التقليدي، يلبي الطلب على مصادر الطاقة، مع استبعادنا لقبول إنتاج المصادر المكلفة في الوقت الحاضر عند المستوى المنخفض للأسعار.

ولكن لو حدث، فإن ذلك ربما يفرض علينا دفع توقيت الذروة إلى سنوات مقبلة. وتحاشيا لوقوع تضارب في الرؤية بين الأطراف المعنية بموضوع الذروة، فإننا نقترح فصل ذروة إنتاج البترول التقليدي عن الذروة التي تشمل إنتاج التقليدي وغير التقليدي. فنطلق على ذروة التقليدي الذروة الصغرى، على الرغم من أهميتها القصوى، التي تليها بعد سنوات غير محدودة الذروة الكبرى.

والسبب أن لذروة إنتاج التقليدي أهمية خاصة بالنسبة لمصادر الطاقة المتيسرة والرخيصة. فهي فاصل بين حقبتين. الأولى هي وفرة الإنتاج البترولي الذي لا تزال البشرية تنعم به منذ عقود طويلة، والثانية حقبة ما بعد الإنتاج الرخيص، وهو الزمن الذي سيشهد العالم خلاله احتمال حدوث نقص حاد في الإمدادات البترولية، سيضطره للجوء إلى مزيد من إنتاج غير التقليدي.

ولأن احتياطي كميات البترول غير التقليدي القابل للإنتاج تقنيا كبير جدا وإنتاجه قد يمتد إلى عشرات العقود، إلا أن الذي سيقرر وصوله الذروة هو الطلب العالمي وليس مستوى الإنتاج، كما هي الحال مع إنتاج التقليدي. فعندما يفيض الطلب على المعروض فتلك ذروة الإنتاج.

والأمر الذى  قد لا يدركه الكثيرون، هو أن دخول إنتاج البترول التقليدي مرحلة ما بعد الذروة، سوف يتميز بارتفاع متسارع في التكلفة وهبوط مستمر في كمية الإنتاج، فليس هناك علاقة، من حيث سهولة الإنتاج، ما بين النصف الأول من الاحتياطي البترولي والنصف الأخير الذي سيمتد إلى زمن طويل حسب جدواه الاقتصادية.

CNA– مقال بقلم،،عثمان الخويطر، نائب رئيس شركة أرامكو سابقاً

موضوعات ذات صلة