“عثمان الخويطر” يكتب : مهما اختلفنا .. فنحن متفقون !

othman-elkhwaiter
عثمان الخويطر

مهما اختلفنا ، فنحن متفقون ،أو هكذا هي فلسفة أعضاء منظمة الأوبك عندما يعقدون اجتماعاتهم الدورية حول موضوع تدني أسعار البترول،فهم ليسوا ،بطبيعة الحال، متفقين على أي شيء..ولكنهم مع ذلك متفقون أو مجمِعون على أمر واحد، وهو أن لا يتفقوا.

وعلى الرغم من وجود الكثير من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية الشائكة على الساحة الدولية، إلا أن أكثر ما يشغل بال المجتمع الدولي اليوم هو انخفاض أسعار البترول إلى المستوى الحالي الذي لم يكن أحد يتوقعه قبل سنتين.

فالمستهلكون يودون، بطبيعة الحال، دوام الحال، على الرغم من أننا لم نر لذلك أثرًا بينًا وإيجابيًّاعلى نمو الاقتصاد العالمي ،والمصدرون يتولولون ويئنون من فرط ما يعانون من شح مزمِن في الدخل ومستقبل مجهول للأوضاع البترولية.

والمضحك المبكي أن المنتجين الذين يعانون الآن من هول فاجعة الأسعار، هم أنفسهم السبب في تردي أحوال السوق. كيف يكون ذلك؟ منذ اكتشاف وجود فائض إنتاج بسيط  قبل عامين، وهم يتبارون في ضخ أكبر كمية ممكنة من البترول في السوق المتخمة بما يفيض عن حاجة المشترين.

وتسأل العقلاء والخبراء عن سبب عدم الجلوس إلى مائدة واحدة، تجمع من يهمهم الأمر، ويتفقون على تخفيض ولو كان متواضعًا يحفظ ماء الوجه وتعود الأسعار إلى مستواها الطبيعي. فلا تجد منْ يعطيك جوابًا متحضرًا يشفي غليل الشعوب المغلوبة على أمرها، والتي يعاني اقتصادها من نقص حاد في السيولة.

وكان الغموض الذي يسود الموقف آنذاك قد بدأ مع ظهور مؤشرات في منتصف الشهر السادس من عام 2014 تنبئ بوقوع أزمة فائض إنتاج، قد تؤدي إلى زعزعة السوق البترولية، وهو ما حدث فعلاً ولا يزال قائمًا ،وكالعادة، اتجهت الأنظار إلى دول الأوبك لمعرفة رد فعلها ومدى استعدادها عمليًّا لما يسمونه مجازيًّا ” تضحية ” تخفيض الإنتاج.

وأنا أتحفظ على كلمة تضحية، أما اللوم على المتسبب في نمو التخمة في الإنتاج فكان من نصيب البترول الصخري، وإن لم يكن في نظرنا هو المتسبب الوحيد والرئيس. فقد زامن ارتفاع الإنتاج العالمي صعود غير مُبَرَّر في مستوى إنتاج بعض من دول الأوبك في الوقت الغير مناسب. ومع عملية انخفاض الأسعار، بدأت الأموال تنتقل من جيوب المنتجين إلى حسابات المستهلكين.

ولو أراد المنتجون، وعلى وجه الخصوص دول أعضاء منظمة الأوبك، لوضعوا حدًّا سريعًا لانخفاض الأسعار من أجل منعها من الانحدار المتسارع، ولكن أوبك، هي الأوبك التي عرفناها في الثمانينات وأواخر التسعينات وفي أزمة عام 2008. وها هي تعيد تاريخ عدم الوصول إلى أي نوع من الاتفاق الإيجابي، إلى عام 2014، فلا تحرك ساكنًا رغم تآكل دخلها.

والكل اليوم ينتظر نتائج مؤتمر الجزائر نهاية شهر سبتمبر، 2016، لعل وعسى. ولكن، على الأرجح، لا نتوقع حدوث أمر جديد ولا هناك امل كبير في الوصول إلى أي اتفاق يغير اتجاه الأسعار صعودًا كما هو المطلوب.

ولو افترضنا جدلاً أن مجموعة الأوبك، وربما معهم روسيا، توافقوا على تجميد مستويات الإنتاج الحالية، وهو ليس في حكم المؤكد، فإن الأسعار ستظل في حدود الخمسين إلى ستين دولارًا للبرميل. وهو أقل بأربعين إلى خمسين بالمئة مما كان عليه في عام 2014 قبل الأزمة السعرية.

أما إذا لم يتفقوا إلا على أن لا يتفقوا، وهو أمر وارد، فسيظل السعر يتأرجح بين الخمسين والثلاثين دولارًا للبرميل حتى يحكم الله في أمره. وفي كلا الحالتين، تأييد لما نظنه الواقع الذي لا مفر منه، وهو عدم الرغبة من جانب الأطراف المعنية في تخفيض الإنتاج. ويعود ذلك إلى عوامل سياسية وليس اقتصادية، يتبناها طرف واحد أو أكثر ممن لهم ثقل في السوق البترولية. وستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا.

أما ما يشغل بالنا، بل ويزعجنا نحن كمواطنين ومراقبين، وسط هذه المعمعة من الأخذ والرد بين المنتجين أنفسهم، فهو ميل أصحاب القرار، عندما تنخفض الأسعار إلى الحضيض، نحو رفع كمية الإنتاج إلى اعلى مستوى ممكن وبتكلفة عالية، مما يزيد الطين بِلة، وفي الوقت نفسه، ينهك الحقول المنهَكة أصلاً. هذا نوع من إهدار الثروة غير المبرَّر.

وقد جرت العادة على أن يعتبر المنتِج تخفيض أو وقف الإنتاج ولو جزئيًّا ” خسارة “،وهذا يشمل الدول التي تعتمد حياتها وأجيالها على البترول، مثل دول الخليج. فبالنسبة للدول التي تمتلك ثرواتها البترولية وتديرعمليات الإنتاج بنفسها، من المفترض أن يكون التخفيض منطقيا هو مكسب وليس خسارة، لأن عدم إنتاج جزء يسير لأسباب اقتصادية يحفظ لهم الثروة بدلا من الاستعجال في استنزافها. الخسارة في الواقع هي في إنتاج كميات إضافية وبيعها بثمن بخس.

نحن بحاجة إلى عقول كبيرة ومفكرين يتفهمون هذه المسألة الهامة. فلو فرضنا، على سبيل المثال، أن أحدنا يملك ثروة نقدية داخل صندوق مقفل، وفي كل يوم يأخذ منها المقسوم. ولسبب ما تأخر صاحب المال عن سحب المبلغ اليومي، هل نعتبر ذلك خسارة؟ المنطق ينفي ذلك، بصرف النظر عن تأثير انقطاع جزء من الدخل عليه لفترة زمنية قصيرة. فالمال محفوظ في مكان آمن.

CNA– مقال بقلم،، عثمان الخويطر، نائب رئيس شركة أرامكو سابقاً

موضوعات ذات صلة