“فيزا” وأخواتها.. والحرب العالمية لبطاقات الائتمان

أحمد الألفى

تقدمت مؤخرًا شركة فيزا الأمريكية بشكوى ضد الصين ورفعتها إلى منظمة التجارة العالمية (WTo) الذارع الثالثة لإفساد الإقتصاد العالمى وتسخيره لصالح الدول الغربية ، حيث يعد دورها مكملاً لدور كل من البنك الدولى (WB) وصندوق النقد الدولى (IMF)، فالبنك الدولى قد فشل فشلا ذريعا فى الحد من معدلات الفقر فى العالم ، وكذلك صندوق النقد الدولى الذى فشل أيضاً فى الحفاظ على الإستقرار المالى والنقدى.

وأخيراً جاءت منظمة التجارة العالمية التى تهدف إلى تحرير التجارة العالمية وعولمة التجارة الدولية وإسقاط جميع الحواجز التجارية بين الدول لتظل الدول الفقيرة سوقاً للدول الغنية ومرتعاً لها ولبضائعها ، ولم يقتصر الأمر على السلع ، بل إمتد أيضاً إلى تجارة الخدمات ، ومنها الخدمات المالية والتمويلية  ولاسيما بطاقات الإئتمان لغم الأزمة المالية العالمية القادمة ، كما يتوقع البعض لأن هذه البطاقات تجعل حامليها يعيشون فى مستوى يفوق مستوى إمكانياتهم المالية الفعلية بكثير .

وترجع أسباب شكوى شركة فيزا الأمريكية أكبر شركة لخدمات بطاقات الإئتمان فى سوق الخدمات المالية فى العالم  إلى أن السلطات الصينية تمنح شركة UNIPAY  الصينية للخدمات المالية وضعاً احتكارياً فى السوق الصينية ، لأن هذه الشركة مملوكة ملكية عامة، حيث يتكون هيكل ملكيتها من عدة بنوك صينية وعدة هيئات وجهات حكومية ، وتخضع هذه الشركة بالطبع لرقابة السلطات النقدية الصينية ممثلة فى بنك الشعب ( البنك المركزى الصينى ).

وكانت شركة فيزا الأمريكية قد سبق وأن وقعت عقداً مع الشركة الصينية السالفة الذكر يقضى بتوسيع نطاق معاملات شركة فيزا الأمريكية فى الصين ، إلا أن شركة UNIPAY  الصينية وقعت عقوداّ مماثلة مع شركات خدمات مالية أخرى بخلاف شركة فيزا، و تحديداً  شركتى ماستركارد  وأمريكان إكسبريس ، وهى شركات أمريكية أيضاً ، فلماذا الشكوى إذن ؟؟ على أساس أن  هذه الشركات أمريكية أيضاً!!

ولاشك أن جوهر هذه الشكوى الذى لا يخفى على أحد  يتلخص فى حجم السوق الصينية الضخمة التى تمثل نحو ربع سكان العالم تقريباً ، حيث تريد شركة فيزا إلتهام هذه الكعكة الشهية بمفردها ، أى أنها تشكو من إحتكار أهل الصين لسوقهم وتريد أن تحتكر هى السوق الصينية الضخمة لنفسها، فهى معذورة بلاشك ، فإنها تعد بمثابة سوق يسيل لها لعاب أى شركة  إحتكارية تخطط لإصدار حوالى مليار فيزا  فى هذا السوق الضخم والمنتج معاً ، يالها من كعكة لذيذة  تستحق ليس مجرد تقديم شكوى لمنظمة التجارة العالمية ، بل تستحق أكثر من ذلك بكثير، حتى لو تطلب الأمر إعلان الحرب على الصين!!

وتقول حيثيات شكوى شركة فيزا الأمريكية أن السلطات الصينية تمنح شركة  UNIPAY صلاحيات إحتكارية واسعة مما يحرم الشركات الأمريكية من إمكانية دخول السوق الصينية الهائلة، وكأن دخول السوق الصينية حق أصيل للشركات الأمريكية وليس حقاً للشركات الوطنية الصينية ، فهذا هو المنطق المعكوس لمنظمة للتجارة العالمية و لحرية التجارة على الطريقة الأمريكية التى تريد فتح أسواق الدول الأخرى على مصراعيها لشركاتها ، وأن تحرم الشركات الوطنية من حقها الطبيعى فى أسواقها المحلية.

ولا تكف أمريكا عن الشكاوى من الصين ، فتارة تتهمها بسياسة الإغراق DUMPEN أى تصدير المنتج الصينى لأمريكا بأٍسعار تقل عن أسعار بيعه فى الأسواق المحلية الصينية ، وتارة أخرى تتهم الصين بأنها تسعر اليوان بأقل من قيمته الحقيقية لتكون أسعار المنتجات الصينية أكثر تنافسية و أقل سعراً من مثيلتها الأمريكية وتطالب  أمريكا الصين برفع قيمة اليوان ، وما إلى ذلك من شكاوى ضد التفوق الصينى الكاسح.

ولعل المغزى من وراء مثل هذه الشكوى يكمن فى محاولة أمركة المواطن الصينى وإفساده بنشر ثقافة الإقتراض والحياة  فى مستوى أعلى من إمكانياته المادية الحقيقية ، وطبعاً هذه الفجوة تغطيها بطاقات الإئتمان والسحب على المكشوف وثقافة القروض الشخصية التى بدأت تنتشر فى بلادنا أيضاً كإنتشار النار فى الهشيم برغم الأصوات التى تنادى بالحد من القروض الإستهلاكية ، ولكن دون جدوى!

ولكن فى الصين الوضع مختلف تماماّ لأنهم مجتمع منتج ومبدع ومتنوق وإنتشار ثقافة الإقتراض هناك سوف تكون ذات تأثير أقل بالمقارنة بمجتمع غير منتج وغير مبدع ، ولكن ومع هذا فإنهم يدركون مخاطر إنتشار ثقافة الإقتراض عليهم لذلك يضيقون الخناق على فيزا  وأخواتها.

حكمة مازحة

من طبائع الأمور أن يشكو الصغير الكبير!

ومن غرائب الأمور أن يشكو الكبير الصغير!

CNA– مقال بقلم،، أحمد الألفى، الكاتب والخبير المصرفى

موضوعات ذات صلة