مقال| آلية المتاجرة فى ديون الدولة

أحمد الألفي

قضية المتاجرة فى ديون مصر برغم بشاعتها إلا أنها لا تخلو من الإثارة على النحو الذى تم تناولها به فى الصحافة المصرية والعالمية.

وتكمن الاثارة فى هذه القضية إلى أن بعض الصحف تصور الذين قاموا بهذه العملية بأنهم عباقرة  زمانهم أو عبقرية الشر المالى والمصرفى وذلك بشكل غير متعمد،ونظراً لأن معظم المعالجات الصحفية التى تناولت هذه العملية لم تلق الضوء بشكل مباشر على الآلية التى تم إستخدامها فى المتاجرة بديون وبمستقبل مصر، بل ركزت على الجانب الجنائى واللاأخلاقى فى هذه العملية دون الجانب الفنى.

فعندما تفاقمت المديونية الخارجية لمصر فى منتصف وأواخر الثانينات من القرن الماضى وتعثرت الدولة فى سداد مديونيتها الخارجية،كان لزاماً عليها أن تتوجه إلى نوادى الفقر الدولية وهما نادى لندن ونادى باريس،وذلك للإتفاق على آجال جديدة لسداد ديونها ، وتذهب الدولة إلى نادى لندن عندما يكون الدائنين لها جهات غير حكومية،بينما تذهب إلى نادى باريس عندما يكون الدائنين لها جهات حكومية.

أى أن نادى لندن يختص بعلاج الديون غير الحكومية بينما يختص نادى باريس بعلاج الديون الحكومية أى الفيصل هو الكيان القانونى للدائن من حيث كونه جهة حكومية مانحة للديون من عدمه.

وتشمل الجهات غير الحكومية المانحة للديون البنوك وصناديق الإستثمار العالمية وحملة السندات المصدرة على الحكومية المتعثرة فى السداد.

ويترتب على ذلك أن الديون الحكومية أى الممنوحة من حكومات لحكومات يتم تسويتها بمعرفة نادى باريس الذى تشرف عليه وزارة المالية الفرنسية، ومن ثم يتم جدولتها وإعادة جدولتها وإسقاط جزء منها بالتفاوض المباشر بين الحكومة المدينة والحكومة الدائنة ولا دور لأى تدخل من الوسطاء والسماسرة فيها، فالوسطاء يمتنعون .

ولكن الديون غير الحكومية التى يتم تسويتها أمام نادى لندن بين الدولة المدينة وبين دائنيها من الجهات غير الحكومية أى الديون الخاصة الممنوحة للدولة من مؤسسات خاصة غير حكومية هى التى يتم العبث بها من خلال تدخل بعض الوسطاء والسماسرة وبشرط وجود بعض العناصر الفاسدة من كبار المسئولين الرسميين فى الدولة المدينة والمنوط بهم إدارة ملف المديونية الخارجية الخاصة للدولة وأيضاً بعض المسئولين الفاسدين فى البنوك العالمية المانحة.

فعلى سبيل المثال عندما تذهب مصر لتسوية ديون خاصة أمام نادى لندن فهنا يتدخل السمسار أو الوسيط فى الكواليس طبعاً ويعرض عليهم إستعداده لسداد 50% أو 70% من المديونية المستحقة لهم فوراً و يقوم بشراء الدين بالكامل،ثم بإستغلال نفوذه لدى الدولة المدينة وبمساعدة إدارة الفساد التى تتولى مسئولية إدارة ملف الدين العام الخارجى يحصل على المديونية كاملة بقيمة 100% وهى المديونية التى سبق  وأن إشتراها بنسبة 50% أو 70% من قيمتها ويسرق الفرق الذى يمثل حاضر ومستقل شعب برمته.

ونخلص من ذلك إلى أن العملية بسيطة جداً جداً فى حالة وجود مسئولين فاسدين ونجل رئيس فاسد، فبدون هذين الشرطين تصبح العملية مستحيلة جدا ولكنها كانت فى غاية البساطة ،وهذه العملية كنا نسمع عنها فى البنوك منذ منتصف التسعينات من القرن الماضى.

ولم نكن نصدق أن يتجرد بعض الناس من القيم والأخلاق إلى هذا الحد، ولكن بمرور الوقت وجدنا بعض الأسماء تتقلد كبرى الوظائف المصرفية بدون وجه حق وبدون سبب وتفشل فى مواقعها ولا يحاسبها أحد وبمرور الوقت ومع تقدم وسائل وأدوات الإتصال وفى أعقاب عام 2000 أى من الألفية الجديدة أصبحنا نتابع أخبار تلك الإنحرافات المالية الكبرى على شبكة الانترنت ولم نكن نصدق أيضاً!.

إذن فالعملية بسيطة جداً جداً من الناحية المالية ولكنها معقدة جداً من الناحية الإنسانية لأنها تتطلب وجود أشخاص بلا ضمير و لا وجدان و لا وطنية للقيام بها،إنها أشد قوة من خيانة الوطن والذات معاً!

حكمة مازحة

لماذا تاجر البعض فى ديون الدولة ؟؟

لتخليص الدولة من الدائنين الأجانب !!

CNA– مقال بقلم،، أحمد الألفي، كاتب وخبير مصرفي

موضوعات ذات صلة