مقال .. آلية تبادل العملات وأهمية الاتفاق المصرى الصينى

أحمد الألفى

تعتبر آلية تبادل العملات المحلية أحد أهم أساليب تمويل التجارة الدولية  خارج  نطاق سوق الصرف الأجنبى، وغالبا ما  تلجأ إليها الدول التى تعانى من عجز كبير فى مواردها من العملات الأجنبية يحول دون تمويل عملياتها الإستيرادية  مباشرة  عبر سوق الصرف الأجنبى المصدر الطبيعى لتمويل التجارة الخارجية ، كما تلجأ إليها الدول أيضاّ عندما تعترى أسواق الصرف الأجنبى تقلبات  كبيرة وحادة.

وفى أعقاب الأزمات المالية والإقتصادية ، حيث تسود حالة من عدم الـتأكد وضعف الثقة فى أسواق الصرف ، وتتم  هذه  الاّلية  بموجب إتفاقيات  ثنائية  بين دولتين تتوفر لإحداها الموارد الكافية من النقد الأجنبى لتمويل  واردات الدولة الأخرى التى تعانى من عجز فى موارد النقد الأجنبى.

ويطلق على الدولة الأولى دولة الوفرة  أو الفائض ، بينما يطلق على  الدولة  الثانية  دولة العجز، ونظرياّ  وعملياّ  لا يتم إبرام إتفاقية  لتبادل العملات المحلية بين دولتى عجز ، ولكن ممكن أن يتم بين دولتى فائض ، فالمنطق الإقتصادى لإبرام هذه الاتفاقيات يتمحور فى رغبة دولة العجز فى تمويل وارداتها من دولة الفائض بالدفع  بعملتها المحلية ودون الدفع  بالعملات الرئيسية القابلة  للتحويل convertible كالدولار الامريكى واليورو والجنية الاسترلينى و الين اليابانى ،هذا بالنسبة لدولة العجز.

أما بالنسبة لدولة الفائض فإنها تحرص على المحافظة على مستوى صادراتها لدولة العجزالتى تعانى من قصور فى مواردها من النقد الأجنبى للإستيراد من دولة الفائض ، وذلك فى إطار الشراكة الإقتصادية و التجارية بين الدول.

وبطبيعة الحال، ففى إطار إتفاقيات تبادل العملات المحلية ، يقتصر تمويل واردات دولة العجز على وارداتها  من دولة الفائض فقط  و لا يغطى وارداتها من الدول الأخرى، والعس صحيح تماماّ ، حيث يتم تمويل واردات دولة الفائض من دولة العجز فقط  ولا يشمل وارداتها من الدول الأخرى ، وذلك بإستخدام العملات المحلية كعملة دفع للواردات، وكعملة  تحصيل للصادرات ، حيث تمثل صادرات الدولة أحد  طرفى الإتفاق واردات للطرف الاّخر.

وفى أعقاب الأزمة المالية العالمية طبعة  2008  إزدادت رقعة إتفاقيات تبادل العملات بين الدول كاّلية بديلة لتمويل عمليات التجارة الخارجية  مباشرة من أسواق الصرف الأجنبى، نظراّ لوجود عدة مخاوف من تقلبات أسعارصرف العملات الرئيسية القابلة  للتحويل كالدولار الامريكى واليورو،لأن الدول المصدرة لهذه العملات  ولا سيما الولايات المتحدة الامريكية  ودول كتلة اليورو  كانت ضالعة  ضلوعا عميقاّ فى الأزمة المالية العالمية ، فضلا عن  تبعات حرب العملات العالمية التى تدور رحاها بين كبرى القوى الإقتصادية العالمية متصارعة على نصيب متزايد من كعكة التجارة الدولية.

لذلك  فإن التعامل  فى التجارة الدولية  بهذه العملات حينذاك كان محفوفاّ بمخاطر كبيرة فى ظل حالة عدم اليقين التى سادت أروقة العالم الإقتصادية والسياسية و المالية و المصرفية ، فعلى سبيل المثال  لا الحصر، أبرمت كوريا الجنوبية مع دولة الإمارات العربية المتحدة ، والصين مع  باكستان ، وسنغافورة مع اليابان إتفاقيات ثنائية لتبادل العملات فيما بينها ساهمت فى دفع و إستقرار حجم التبادل التجارى بينها.

وتقوم الدول المختلفة  بإبرام إتفاقيات لتبادل العملات المحلية  بينها لعدة دوافع أهمها :-

1- للتغلب على عدم كفاية الموارد بالعملات الأجنبية لبعض الدول لتمويل وارداتها.

2- لتدعيم و تعزيز حجم التبادل التجارى و التجارة البينية بين الدول.

3-  لأغراض تحقيق الإستقرار النقدى و المالى.

4- لتفادى مخاطر تقلبات أسعار صرف العملات الرئيسية القابلة  للتحويل.

5- لتحفيز الإستثمارو رفع معدل النمو الإقتصادى.

6- لتحقيق الإستقرار الإقتصادى فى أعقاب الأزمات الإقتصادية

ولكن يبقى دافع عدم كفاية الموارد بالعملات الأجنبية  لبعض الدول لتمويل وارداتها  بمثابة الدافع الأكبر لإبرام  إتفاقيات تبادل العملات المحلية بالنسبة لدول العجز ، و المحافظة على مستوى الصادرات بالنسبة لدول الفائض.

وفى هذا الإطار ، وقع  بنك الشعب ( البنك المركزي الصيني ) مع البنك المركزى المصرى إتفاقية  ثنائية  لتبادل عملتى  البلدين الصين ( اليوان ) و مصر ( الجنية المصرى ) بقيمة 18 مليار يوان تعادل  نحو 2.6   مليار دولار أمريكى ، وتعادل  نحو 48  مليار جنية مصرى ،وذلك لمدة  3 سنوات قابلة للتجديد بموافقة الطرفين ، و بمقتضى هذه الإتفاقية يقوم كل طرف من أطرافها بإيداع مبلغاّ مالياّ بكامل قيمة الإتفاقية بالكامل أو بقيمة جزأ منها بعملته المحلية فى فى حساب مصرفى لدى الطرف الاّخر(nostro & vostro accounts ) ، بمعنى أن تقوم مصر بالإيداع بالجنية المصرى لدى بنك الشعب الصينى.

وتقوم الصين بالإيداع لدى البنك المركزى المصرى باليوان الصينى ، و تخصم  قيمة واردات كل طرف من حسابه لدى الطرف الاّخر، كما تضاف قيمة صادرات كل طرف إلى حسابه لدى الطرف الاّخر، وبذلك يتم سداد قيمة عمليات التجارة الخارجية إستيراداّ و تصديراّ بين الدولتين وفى حدود قيمة الإتفاق بالخصم و الإضافة من والى هذين الحسابين و دون الحاجة  للدفع  بالعملات الاجنبية الرئيسية  القابلة  للتحويل كالدولار الامريكى و اليورو.

أما عن آليات إحتساب الفوائد على الحسابين المناظرين  لكل دولة و تحديد سعر الصرف بين العملتين المحليتين موضوع إتفاقية تبادل العملات ، بالنسبة للفائدة عادة ما تتقاضى كل دولة فائدة على رصيد حسابها بالعملة المحلية المودع  لدى البنك المركزى للطرف الاّخر من تاريخ الإيداع وحتى تاريخ الإستخدام فى سداد قيمة الاعتمادات المستندية – إستيراد – التى قامت بفتحها فى إطار الإتفاق ، وعادة  ما يطبق عليه سعر الكوريدور أو الإنتربنك المحلى السارى فى كل دولة على عملتها كاساس لإحتساب الفائدة على رصيد الحساب ، ما لم ينص إتفاق تبادل العملات على خلاف  ذلك.

أما  بالنسبة لآلية  تحديد سعر الصرف  بين العملتين المحليتين موضوع  إتفاقية  تبادل العملات، فإن الإتفاقية تحدد هذه الألية ، وعادة ما  يتحدد  سعر صرف كل من العملتين المحليتين أمام العملة المحلية  الأخرى بدلالة  أو إعتماداّ على سعر كل منهما أمام إحدى  العملات الاجنبية الرئيسية  القابلة  للتحويل كالدولار الامريكى و اليورو.

وغالبًا ما يكون هذا السعر مثبتاّ  طوال سنوات سريان إتفاقية تبادل العملات ، ومن الممكن أن يكون هذا السعر متغيراّ و مرتبطاّ بسعر العملة الاجنبية الرئيسية  القابلة  للتحويل التى تم تحديد أسعار صرف العملتين المحليتين موضوع الإتفاقية  سلفاّ بدلالتها أو إعتماداّ علي أسعار صرفها أمام هاتين العملتين المحليتين.

وبرغم  إعتماد  اليوان الصينى مؤخراّ  كعملة  دفع عالمية  رئيسية و قابلة  للتحويل  ضمن سلة  عملات  صندوق النقد  الدولى المعروفة  بأسم  حقوق  السحب الخاصة ( special drawing rights ( SDR) ، فإن سعر صرف اليوان الصينى أمام الجنيه المصرى  يتحدد   بدلالة ( إعتماداّ ) على سعر صرف كل منهما أمام الدولار الامريكى ، و يرجع ذلك إلى عدة أسباب أهمها:-

1- كون الدولار الامريكى عملة الدفع  الأولى المقبولة عالمياّ

2- إستثمار معظم الإحتياطيات النقدية الصينية  بالعملات الأجنبية فى الدولار الامريكى و فى أدوات ديون أمريكية

3-  إستثمار معظم الإحتياطيات النقدية المصرية بالعملات الأجنبية فى الدولار الامريكى

4- كون الولايات المتحدة الأمريكية شريك تجارى كبير لكل من للصين و مصر

5- ما زال اليوان الصينى  تحت الإختبار كعملة  دفع عالمية رئيسية و قابلة  للتحويل

أما بالنسبة  لإستفادة  كل من الإقتصاد المصرى والإقتصاد  الصينى من إتفاقية  تبادل عملتى  البلدين اليوان و الجنية المصرى  لسداد المدفوعات (عن الواردات)  وتحصيل المقبوضات ( من الصادرات ) الخاصة بعمليات التجارة الدولية فيما بينهما، ننوه إلى أن أى إتفاق ثنائى بين دولتين يجب أن يحقق منافع ومصالح مشتركة  لكل دولة .

ولا تقاس هذه المنافع والمصالح بالأرقام المجردة  لقيمة الإتفاق، بل بأهميته النسبية لكل  من طرفى الإتفاق ، و للتعرف على هذه الأهمية ، يتعين علينا إلقاء الضوء على حجم التبادل الدولى بين الصين ومصر ، وعلى بعض المؤشرات الإقتصادية الرئيسية لكل من الإقتصاد المصرى و الصينى ، وذلك على النحو الاتى :-

بداية يعرف حجم التبادل  التجارى الدولى بين دولتين بأنه مجموع  عمليات الصادرات و الواردات بين الدولتين خلال فترة زمنية  معينة ،عادة ما تكون سنة ميلادية ، و يكون الميزان التجارى لصالح الدولة التى تكون قيمة صادراتها للدولة الأخرى أكبر من قيمة وارداتها منها ، لأن التصدير يعد حقناّ  فى الدخل القومى ، بينما يعد الإستيراد تسرباّ من الدخل القومى ، و تشير الأرقام المنشورة عن حجم التبادل التجارى الصينى المصرى خلال عام 2016 الى المؤشرات التالية :

1- بلغ حجم التبادل  التجارى  السنوى بين الصين و مصر حوالى 12 مليار دولار أمريكى.

2- بلغت صادرات  الصين بمصر 91% من قيمة حجم التبادل التجارى ، كما  بلغت  واردات الصين من مصر 9% من قيمة حجم التبادل التجارى.

3- بلغت صادرات  مصر للصين 9% من قيمة حجم التبادل التجارى ، كما  بلغت  واردات مصر من الصين  91% من قيمة حجم التبادل التجارى.

4- الميزان التجارى لصالح الصين بنسبة 91 الى 9 أى بنسبة 10 إلى 1 .

5- الأهمية النسبية للصادرات الصينية لمصرفى  إجمالى هيكل الصادرات الصينية ضئيلة جداّ و لا تصل الى 1% من إجمالى الصادرات الصينية للعالم.

6- الأهمية النسبية للصادرات المصرية للصين –  وبرغم  ضاّلتها كرقم مطلق –  كبيرة ، لأنها  تمثل حوالى 5% من إجمالى الصادرات المصرية للعالم .

7- الأهمية النسبية للواردات المصرية من الصين  كبيرة ، لأنها  تمثل  حوالى 15% من إجمالى الواردات المصرية  من العالم .

8- الأهمية النسبية لقيمة الإتفاقية بالنسبة لقيمة حجم التبادل التجارى الدولى بين الدولتين تمثل  حوالى 25% من قيمته

9- الأهمية النسبية لقيمة الإتفاقية بالنسبة لقيمة التدفقات النقدية الواردة  لطرفى الإتفاقية بحسب أرقام ميزان التجارة بينهما :-

–  بالنسبة للصين 91%

–  بالنسبة لمصر 9%

10-  الأهمية النسبية لقيمة الإتفاقية بالنسبة لقيمة التدفقات النقدية الخارجة لطرفى الإتفاقية بحسب أرقام ميزان التجارة بينهما :-

–  بالنسبة للصين 9%

–  بالنسبة لمصر 91%

وفضلا عن مؤشرات حجم التبادل التجارى بين الصين ومصر بعاليه ، تعكس المؤشرات الإقتصادية التالية أسعار صرف كل من اليوان و الجنية المصرى و الدولار الأمريكى ، و قيمة الإتفاق بالعملتين المحايتين و بالدولار الأمريكى ، و إحتياطيات النقد الأجنبى  لكل من مصر و الصين :-

1- سعر صرف اليوان الصينى أمام الجنية المصرى = 2.6 جنية

2- سعر صرف الدولار الأمريكى أمام الجنية المصرى = 18.5جنية

3- سعر صرف الدولار الأمريكى أمام اليوان الصينى = 6.8 يوان

4- قيمة الإتفاقية بالدولار الأمريكى 2.6 مليار دولار

5- قيمة الإتفاقية بالجنية المصرى 48  مليار جنية مصرى

6- قيمة باليوان الصينى 18  مليار يوان صينى

7- قيمة إحتياطيات الصين من النقد الاجنبى 3 تريليونات دولار

8- – قيمة إحتياطيات مصر من النقد الاجنبى 24 مليار دولار

و بقراءة هذه المؤشرات  مجتمعة ، و التى يبدو ظاهريا منها  وللوهلة الأولى أن إستفادة  الإقتصاد الصينى من الإتفاق أكبر من إستفادة  الإقتصاد  المصرى منه ، وذلك إعتماداّ على كون الميزان التجارى فى صالح الصين بنسبة 91%، بينما تفصح القراءة العميقة لهذه المؤشرات عن الأهمية  النسبية  لقيمة الإتفاق بالنسبة  لحجم الإقتصادين ، إلا أن أهميته النسبية  بالنسبة  للإقتصاد المصرى كإقتصاد يعانى من مشاكل هيكلية  ومن فجوة كبيرة  فى موارد النقد الأجنبى أكبر من أهميته بالنسبة   للإقتصاد  الصينى ، من جهة، ومن جهة أخرى.

فإن إبرام الصين ثانى أكبر إقتصاد فى العالم  لمثل هذا الإتفاق مع  دولة نامية  مثل مصر ، يعد فى حد ذاته مؤشراّ  إقتصادياّ إيجابياّ ، ويمكن تعظيم إستفادة مصر من هذا الإتفاق بتصحيح  الميزان التجارى  بين مصر و الصين تدريجياّ  بالحد من الواردات  الصينية وتنشيط الصادرات المصرية، وبالفعل تبنى البنك المركزى المصرى هذا التوجه.

حيث قصر تطبيق إتفاقية تبادل العملات مع الصين على المعاملات الحكومية فقط ، وبذلك أغلق الباب  بإحكام أمام  كل من أباطرة الإستيراد و البنوك التجارية  الإستهلاكية  التى  كانت على  أهبة الإستعداد  للإستفادة  من الإتفاق  لإغراق الأسوق المصرية  بالواردات الصينية  الرخيصة و منخفضة الجودة  و التى بلغت 10 مليار دولارطبقاّ لأرقام عام 2016 .

وأخيرًا ، لا شك أن إتفاقية تبادل العملات مع الصين ستخفف من الضغوط على سوق الصرف الأجنبى فى مصر، وستعزز من الشراكة الإقتصادية مع الصين كشريك تجارى و إستثمارى  كبير ومهم  جداّ  لمصر، ومع ذلك فإنها تعد أحد الحلول المؤقتة  المطروحة فى الأجل القصير ، وستبقى القضية دائماّ و أبداّ قضية  بناء إقتصاد إنتاجى فى المقام الأول ، وليست قضية تبادل عملات حتى لو أبرمنا إتفاقية تبادل عملات مع الولايات المتحدة لتسيير التجارة بالجنيه المصرى بدلاّ من الدولار الأمريكى سيد عملات هذا الزمان.

فالدولار الامريكى لم يصبح سيدًا من فراغ ، بل لأن  وراؤه  أكبر إقتصاد فى العالم حجماّ و إنتاجية و كفاءة ،هذا من الناحية الإقتصادية  البحتة والمجردة  و بصرف النظر عن العربدة السياسية و العسكرية الأمريكية التى إحترفت علم و فن صناعة الأعداء إن لم تجد عدوًا  فعلياّ لها.

CNA– مقال بقلم ،، أحمد الألفى (الخبير المصرفى والمدير بأحد البنوك)

موضوعات ذات صلة