مقال .. البنك المركزى المصرى و المحافظ المرتقب

ALALFY
أحمد الألفى

قبيل ثورة 25 يناير2011 بلغ الاحتياطى النقدى المصرى من العملات الاجنبية  حوالى 36 مليار دولار مع وجود سيطرة كاملة من البنك المركزى على سوق الصرف الاجنبى ، ولكن  مع تراجع السياحة وهروب الاستثمارات الاجنبية من مصر تأثرا بالمخاطر السياسية التى ألمت بالبلاد ،فى أعقاب الثورة، ضحت السلطات النقدية بجانب كبير من هذا الاحتياطى لحماية سعر صرف الجنية المصرى دون جدوى لأدراكها لخطورة انهيار سعر صرف الجنية فى اقتصاد استيرادى كالاقتصاد المصرى .

ولم تتخذ السلطات الاقتصادية فى البلاد أية اجراءات اقتصادية للحد من الاستيراد لتجفيف منابع الطلب على العملات الاجنبية من جهة , ومن جهة أخرى لم تتخذ أية اجرءات للحد من الانفلات المالى فى الموازنة العامة للدولة,واكتفت السلطات بترك السياسة النقدية وحدها فى مواجهة الاختلالات المالية و الاقتصادية للاقتصاد – وهذا ليس مجال عملها بكل تأكيد – لأن  كل من السياستين المالية و الاقتصادية  للدولة تخرج عن  نطاق اختصاص وأهداف السياسة النقدية.

فالسياسة المالية  تهدف إلى  السيطرة على كل من عجز الموازنة و الدين العام  فى اطار الحدود الاّمنة  للاقتراض الداخلى والخارجى و تختص بها وزارة المالية , أما السياسة الاقتصادية  فتهدف الى تنويع  الهيكل الاقتصادى وتختص  بها وزارة الاقتصاد , أما السياسة النقدية  فتهدف الى تحقيق الاستقرار فى  المستوى العام  للاسعار و محاصرة التضخم و المحافظة على سعر صرف العملة الوطنية ويختص بها البنك المركزى.

ونتيجة لذلك فقد الجنية المصرى 50% من قيمته على مدى أربعة سنوات باستخدام سياسة التعويم المدار لسعر الصرف , وبرغم ذلك تتعالى الاصوات لمزيد من التخفيض فى قيمة الجنية دون ادراك لخطورة ذلك الكبيرة على الاقتصاد المصرى الذى يعتمد على العالم الخارجى بنسبة 70% فى تلبيىة احتياجاته من السلع و الخدمات , و يكشف العجز المزمن و المتزايد فى الميزان التجارى المصرى والذى بلغ 50 مليار دولار مدى الانكشاف و الاختلال الاقتصادى والاعتماد المفرط على العالم الخارجى , ومع ذلك لم تتخذ الدولة أية اجراءات  اقتصادية حمائية مؤقتة لحماية الاقتصاد ووقف هذا النزيف الاقتصادى الذى يستنزف موارد الدولة و يمس حياة السواد الأعظم من المصريين فى مقتل.

ولقد أدى التصارب  الواضح بين هذه السياسات الى صعوبة عمل السياسة النقدية , حيث تضخم  كل من الدين العام وعجز الموازنة بسبب انفلات السياسة المالية من جهة , ومن جهة أخرى فشلت السياسة الاقتصادية فى الحد من عجز الميزان التجارى المتفاقم و من الاستيراد العشوائى و المفرط , و حتى كتابة هذه السطور لم تتخذ السلطات الاقتصادية فى الدولة أية اجراءات اقتصادية  ذات جدوى للتعامل مع الانفلات الاستيرادى وعجز الميزان التجارى المتفاقم , و اكتفت بالسياسة النقدية للبنك المركزى , بيد أن السياسة النقدية لا  يمكن أن تعالج الاختلالات الهيكلية فى الاقتصاد  , لذلك لن تنجح أية سياسة نقدية مهما كانت جودتها فى السيطرة على كل من التضخم و سعر الصرف فى مصر , و يرجع ذلك للأسباب الاتية:-

1- يعتبر التضخم فى مصر ظاهرة هيكلية أكبر من كونه ظاهرة نقدية

بمعنى أن التضخم فى مصر ناشئ أساسا بسبب الاختلالات الهيكلية فى هيكل الاقتصاد المصرى . حيث تتباين تركيبة الطلب الكلى مع تركيبة العرض الكلى , و يكشف  كل من عجز الميزان التجارى وهيكل الواردات و هيكل الصادرات عن ذلك بوضوح , أما التضخم كظاهرة نقدية فيكون ناشئا عن مجرد زيادة فى التيار النقدى عن التيار السلعى فى الاقتصاد ذو الهيكل الاقتصادى المتوازن , وعادة ما تنجح السياسة النقدية بأدواتها  المختلفة المتعارف عليها فى السيطرة على التضخم كظاهرة نقدية أو استهدافه عند حدود معينة  ( استهداف التضخم ) , أما  التضخم  كظاهرة هيكلية  فيخرج عن نطاق اختصاص السياسة النقدية  و تختص به السياسة الاقتصادية التى تعنى ببناء هيكل اقتصادى متوازن.

2- استيراد التضخم

تستورد الدول  التى تعتمد اعتمادا كبيرا على الاستيراد – كالاقتصاد المصرى – معدلات التضخم السارية فى الدول المصدرة لها مضافة ضمنا على فواتير الواردات, حيث  تضاف معدلات التضخم المستوردة على معدلات التضخم المحلية السارية محليا على معدل التضخم فيصبح معدلا مركبا أو مزدوجا , وتزداد حدة معدلات التضخم المستوردة بزيادة حجم الاستيراد و بتعدد منابعه أو مصادرة ( أى الدول التى يتم الاستيراد منها )

3-  تفاقم عجز الموازنة و الدين العام

يشكل كل من عجز الموازنة و الدين العام ضغوطا تضخمية كبيرة على الاقتصاد , حيث يعد عجز الموازنة بمثابة بيت الداء, لأن المبعث الأولى للدين العام هو عجز الموازنة الذى يرصد و يتراكم  مرحليا و دوريا ليشكل قيمة الدين العام , كما يغذى الدين العام عجز الموازنة بقيمة  أعباء خدمته السنوىة التى تدرج بالموانة العامة , و يترتب على ذلك أن كل منهما يغذى الاّخر فى حلقة محكمة لا فكاك منها الا بسياسة مالية منضبطة و باصلاح ضريبى حقيقى يكافح ولا يسهل التهرب الضريبى المتفشى فى الاقتصاد المصرى سواء الرسمى أو الموازى.

4- العجز فى الميزان التجارى

يكشف العجز فى الميزان التجارى عن مدى الانكشاف الاقتصادى أى مدى الاعتماد  اقتصاديا على العالم الخارجى من جهة , ومن جهة أخرى يعد بمثابة مؤشر

على مدى تراجع الطلب على العملة الوطنية و زيادة الطلب على العملات الاجنبية , وكلما كان العجز كبيرا كلما انخفض سعر صرف العملة الوطنية أمام العملات الاجنبية اعمالا  لقانون العرض و الطلب , فضلا عن كون الميزان التجارى مراّة لاقتصاد الدولة ينم عن مدى قوة أو هشاشة اقتصادها.

و يترتب على ذلك أن السياسة النقدية للبنك المركزى – برغم جودتها – تعمل فى ظل متغيرات اقتصادية و مالية معقدة تخرج عن نطاق اختصاصها و تاثير أدواتها

, لذلك فان تأثيرها كان محدودا جدا فى السيطرة على  كل من سعر صرف الجنية و معدلات التضخم وأسعار الفائدة , ولا سيما أن سعر الفائدة الحقيقى على الجنية المصرى مازال سالبا , ومع هذا تظل حماية اصحاب المدخرات الصغيرة مطلبا ملحا بمنحهم سعر فائدة حقيقى موجب و حتى حد معين و ليكن 500 الف جنية لأنهم قاعدة المدخرين و الفئات الأكثر تضررا من معدلات التضخم المرتفعة .

لذلك  فقد واجه أداء  البنك المركزى  المصرى تحديات كبيرة بسبب انهيار موارد الدولة من  النقد الاجنبى و استنفاذ    الاحتياطى النقدى من العملات  الاجنبية للمحافظة على قيمة الجنية المصرى فى ظل سياسة مالية منفلتة أدت  الى فشل السياسة النقدية للبنك المركزى فى محاصرة  معدلاتالتضخم المرتفعة بسبب الانفلات المالى للحكومة

و ليس بسبب أدوات السياسة النقدية  ذاتها  , لذلك اضطر البنك المركزى الى تخفيض قيمة الجنية المصرى  لتجميل الاقتصاد  المصرى تحت وطأة الضغوط  و الانتقادات الدولية  لمصر  لوجود  سوقين لسعر الصرف  فيها , الأولى رسمية  و الثانية موازية أو سوداء

و لم تحد الاجراءات التى اتخذها البنك المركزى مؤخرا من سطوة شركات الصرافة لتعارض و تضارب  السياستين المالية و الاقتصادية للدولة مع السياسة النقدية للبنك المركزى , ويتجلى ذلك  و بوضوح  فى التصريح  الشهير الغير محترف و الغير مختص لوزير الاستثمار عن ضرورة تخفيض قيمة الجنية المصرى , و بصرف النظر عن عدم اختصاص هذا الوزير التنفيذى بالسياسة النقدية ,فأنه غير مدرك لفداحة ما فعل و غير ملم بتفاصيل و اّههات الاقتصاد المصرى  الذى يعمل وزيرا لجذب الاستثمارات اليه ؟

و لا نجاح السياسة النقدية خلال المرحلة القادمة سواء تولى رامز أو غيره يتعين الحد من الواردات و تخفيض عجز الميزان التجارى الى النصف و ليس باجراء المزيد من تخفيض لقيمة الجنية المصرى بتبنى نظريات لا تناسب اقتصاد مصر الاستيرادى البحت بدعوى جذب الاستثمار الاجنبى و تحفيز الصادرات وما الى ذلك من سياسات لا جدوى منها بالنسبة لحالة الاقتصاد المصرى

و الأفضل أن يستمر هشام رامز لأنه الأكثر خبرة و لم يعط كل ما لديه بسبب فشل السياستين المالية و الاقتصادية للدولة و أيضا لأن الاسماء المرشحة الاخرى ليست فى مستوى خبراته باستثناء عادل اللبان الأكثر قبولا لخلافة هشام رامز , و لكن  تعقد و تشابك قضية سعر الصرف فى مصر  أكبر بكثير من أسم  أو شخصية المحافظ  الذى سيخلف هشام رامز.

CNA– بقلم ،، أحمد الألفى ،الخبير المصرفى المصرى

[box type=”info” ]الكاتب .. مصرفى يعمل مديرًا بأحد البنوك المصرية .. له مؤلفات عديدة فى المجالات المصرفية والمالية [/box]

موضوعات ذات صلة