Null

مقال.. البنوك المركزية واحتياطيات الذهب

أحمد الألفى

استرد الذهب أو المعدن الأصفر بريقه وعرشه مرة أخرى على المستوى الرسمى، ويقصد بالمستوى الرسمى  إتجاه البنوك المركزية  لدول العالم المختلفة – ولا سيما  الدول الكبرى –  لإحلال الذهب جزئياً محل العملات الأجنبية الرئيسية فى هيكل إحتياطياتها الدولية من النقد الأجنبى.

حيث كانت التداعيات التى أفرزتها الأزمة المالية العالمية طبعة 2008 على الإقتصاد العالمى وعلى أسعار صرف العملات العالمية الرئيسية القابلة للتحويل كالدولار واليورو والين والجنية الإسترلينى، بمثابة نقطة فاصلة أو نقطة تحول لإعادة الوزن النسبى الكبير للذهب فى هياكل الإحتياطيات النقدية الدولية للبنوك المركزية على النطاق العالمى.

وكانت البنوك المركزية قد إنتهجت فكراً مغايراً فى بداية الألفية الثالثة، حيث إتجهت إلى تقليص الوزن النسبى للذهب فى هياكل إحتياطياتها النقدية الدولية، وأسفر ذلك عن قيام البنوك المركزية فى العديد من دول العالم ببيع جانب كبير من أرصدة الذهب لديها وإستبدالها بالعملات العالمية الرئيسئة القابلة للتحويل، و باع صندوق النقد الدولى أيضاً أرصتده الذهبية بالكامل.

ولكن بعد إندلاع وتفاقم الأزمة المالية العالمية ثم أزمة الديون السيادية تغير فكر البنوك المركزية تغييراً  جذرياّ وكبيراً  وإتجهت لإحلال الذهب محل العملات العالمية، وأسفر ذلك عن قيام البنوك المركزية على مستوى العالم بشراء كميات كبيرة من الذهب فى أعقاب تفاقم كل من الأزمة المالية العالمية وأزمة الديون السيادية العالمية , لا سيما الأوربية و الأمريكية.

وأسفر هذا الطلب الكبير على الذهب من جانب البنوك المركزية عن إرتفاع أسعار الذهب خلال الفترة من 2008 حتى 2016 بنسبة تراكمية بلغت 75% تقربياً، وبطبيعه الحال، فإن إتجاه فكر البنوك المركزية إلى إقتناء الذهب لم يكن وليد الصدفة، بل يخضع  لعدة إعتبارات أدت إلى قيام البنوك المركزية بإحلال الذهب محل العملات العالمية فى هيكل إحتياطياتها الدولية،  وتكمن هذه الإعتبارات  فى الإعتبارات الآتية:.

  1. حروب العملات العالمية بين الدول الكبرى صاحبة العملات العالمية كالولايات المتحدة واليابان وإنجلترا وكتلة اليوريو, حيث أٍفرت هذه الحرب سياسات توسع نقدى مكثفة أدت لحدوث تراجع وإنخفاض مصطنع فى أسعار صرف هذه العملات لأغراض تجارية، ومثل هذا الإنخفاض يؤدى لإنخفاض دورى فى قيمة الاحتياطيات الدولية بالعملات الأجنبية عند إعادة تقيميها دورياّ إعمالاّ للقواعد المحاسبية السارية , ومن ثم تتراجع قيمتها السوقية عن  قيمتها الدفترية  وقت الإقتناء.
  2. تدنى أو تصفير الفائدة على معظم العملات العالمية فى أعقاب الأزمة المالية العالمية، مما يفقد الأرصدة الممثلة لها داخل هيكل الاحتياطيات الدولية بالعملات الأجنبية إمكانيات توظيفها بالإيداع  المصرفى مقابل فائدة، وبالتالى أصبحت تتناقص قيمتها ولا يتم رسملة أى فوائد عليها.
  3. عدم تعرض الذهب لتذبذبات سريعة فى الأسعار من شأنها التأثير على قيمته بالتراجع، وبالتالى فإن المخاطر المحيطة بالإستثمار فى الذهب أقل كثيراً من المخاطر المحيطة أو المصحبة للإستثمار فى العملات العالمية ,ولاسيما فى ظل التباطؤ الإقتصادى وتحت وطأة ثقل الديون السيادية للدول المصدرة للعملات العالمية الرئيسية القابلة للتحويل
  4. إمكانية تسيل الذهب فى أى وقت بتحويله لأى عمله عالمية لذلك فهو يعتبر أصل سائل، بل كامل السيولة بنسبة 100% لكن لا يدر أى عائد  دورى، ولكنه أكثر أمناً وسلامة. والجدير بالذكر أن الذهب يعامل مصرفياً نفس معاملة العملات الأجنبية ، فلا يعامل كسلعة على الإطلاق، ومن ثم  لا تعامل الأرصدة المستثمرة فى الذهب كمعاملة الأرصدة المستثمرة فى البضائع أو فى بورصات البضائع أو السلع المختلفة، حيث كانت بعض المدارس المصرفية تعتبر الإستثمار فى الذهب كسلعة و البعض الاّخر يرى أنه ليس إستثمارًا  سلعيًا.

ولعل الحكمة من معاملة الذهب كمعاملة الإستثمارات فى العملات الأجنبية تكمن فى سرعة تصريفه وتسييله بتحويله إلى نقد سائل, ويعنى ذلك سيولته اللحظية، لذلك فهو يضاهى العملات الأجنبية العالمية الرئيسية القابلة للتحويل من حيث القبول الدولى العام وكمال السيولة و التداول ، ولكنه يتفوق عليها لكونه أكثر أماناً  و وجاهة و جاذبية أيضاً، وغالباً ما يحقق أرباح رأسمالية عند بيعه، فالذهب ذهب والورق ورق!!

ويتميز الذهب أيضًا بخاصية طبيعية و فريدة جداّ لن تنالها العملات العالمية الرئيسية القابلة للتحويل أبدًا، و تتبلور هذه الخاصية فى كونه غطاء ليس له سلطة إصدار نقدية رسمية، بل هبة من الطبيعة بسلطة إصدار إلهية تمنح بريقه ووهجه لمن تشاء من شعوب العالم.

فسبحان الله العاطى الوهاب

حكمة مازحة

لماذا عادت البنوك المركزية للذهب؟؟

لأن لا أحد يستطيع طباعة الذهب!!

CNA– مقال بقلم،، أحمد الألفى، خبير مصرفى و كاتب له عدة مؤلفات فى البنوك و الاقتصاد