مقال .. العملات الرقمية والاقتصاد الأسود

ELALFY 234
أحمد الألفى

البت كوين (BITCOIN ( BTC أو عملة  الانترنت الإفتراضية عبارة  عن نقود إلكترونية  مشفرة crypto – currency تدار من خلال شبكة  لا مركزية  تؤمن نظام  للدفع عبر الحدود ، و تعمل بنظام الند – للند عبر منصات  الكترونية  للمتعاملين،حيث تتم  إدارتها بالكامل من قبل مستخدميها بدون رقابة  من أي سلطة مركزية  نقدية وبدون وسطاء  و لا غرف مركزية  للتداول ، فالبت كوين هى العملة النقدية الرقمية الافتراضية الخاصة بالإنترنت.

وتنفرد البت كوين في أن 21 مليون عملة بت كوين  يمكن إنشاءها  فقط على على سبيل الحصر،  ولا يشكل ذلك أية عوائق للتعامل بها ، لأن كل عملة بت كوين يمكن تقسيمها الى 8 خانات (0.000 000 01 BTC) ومن الممكن أيضاً أن يتم تقسيمها إلى وحدات أصغر من الثمانية خانات إذا تطلب الأمر ذلك مستقبلا.

فالمعاملات يمكن أن تتم في صورة وحدات منبثقة من البت كوين ،كالمللي بت كوين “milli – bitcoins” أو (1 mBTC أو ما يساوي 0.001  من BTC أى واحد من الالف من وحدة البت كوين) ، وهذا التقسيم مماثل تماماّ لتجزئة وحدات العملات الحقيقية الى  وحدات أصغر كالدولار الامريكى الذى يقسم الى مائة سنت للدولار الواحد , و يعنى ذلك أن البت كوين عملة قابلة للتقسيم أو للتجزئة كالعملات المادية أو الحقيقية.

ويترتب على ذلك أن أهم خاصية للبيت كوين هي امكانية إجراء تحويلات مالية بدون الحاجة إلى تقديم بيانات أو وثائق تثبت  شخصية أوهوية أطراف المعاملة  وهما المرسل  و المستقبل، وذلك دون أن يكون مضطراً الى الكشف عن هويته أو تقديم  وثائق  تثبت أنه  الشخص المعني بالمعاملة  كمرسل أو كمستقبل  للأموال الالكترونية، بعكس الوضع تماماّ عند اجراء المعاملات المالية بالعملات الحقيقية و التى تتطلب كشف هوية  جميع أطرافها سواء المرسل للأموال (المحول) و المستقبل للأموال ( المحول اليه) و البنك المنفذ لعملية التحويل المالية.

فالبت كوين هو أول تطبيق لمفهوم يسمى crypto-currency  أو العملة المشفرة، والذي تم الحديث عنه لأول مرة عام  1998 حول شكل جديد من الأموال يعتمد على التشفير والتحكم في إنشاؤه والتعامل به كبديل عن السلطة المركزية النقدية , وأول تطبيق وتأكيد لهذا المفهوم  نشر في عام 2009 , وبدأت البت كوين فى التداول الالكترونى الفعلى فى عام 2010.

وتعد البت كوين عملة غير مادية أو افتراضية virtual كبطاقات الإئتمان وشبكات البنوك الإلكترونية التي يستخدمها الناس كل يوم و يمكن إستخدام البت كوين للدفع من خلال الإنترنت أو بالمتاجر العادية تماماً كأي نوع آخر من الأموال.

كما يمكن أيضاً  تحويل البت كوين بشكل ماديالى عملات حقيقية، و تودع  أرصدة البت كوين  في شبكة كبيرة موزعة  بشكل مؤمن تماما، ولا يمكن التلاعب بها  بالإحتيال من قبل أي أحد ،و مستخدمي البت كوين لديهم تحكم كامل وحصري في أموالهم , كما أن عملات البت كوين الخاصة بهم لا يمكن أن تسرق لأنها  ليست عملة  مادية.

و لا يملك أحد شبكة البت كوين ،كما لا  يتحكم فيها  أحد مركزيا  ولا يمتلك  أحد التكنولوجيا المحركة لها منفرداّ ، فالبت كوين يتم التحكم فيها من قبل جميع مستخدمي البت كوين  فى جميع أنحاء العالم , بينما يقوم المطورين بتحسين البرنامج ، ولا يمكنهم فرض  أى تغيير في بروتوكول البت كوين لإن جميع المستخدمين لديهم مطلق الحرية لإختيار أي برنامج  أو إصدار يمكنهم استخدامه من أجل البقاء على توافق مع بعضهم البعض.

ويحتاج جميع المستخدمين لإستخدام برامج تتوافق مع نفس القواعد, فالبت كوين يمكن أن تعمل بشكل جيد فقط عندما يكون هناك إجماع واتساق بين جميع المستخدمين , لذلك فان جميع المستخدمين والمطورين  يكون لديهم القدرة  والحافز على تبني وحماية هذا  البروتوكول  المنظم لتداول البت كوين .

وتعمل البت كوين من خلال  برنامج كمبيوتر يقوم  بانشاء محفظة بت كوين شخصية  للمتعامل  يسمح  للمستخدم  بإرسال و إستقبال عملات البت كوين لإستخداماته ، حيث تتشابك شبكة البت كوين  فى سلسلة أو شبكة تسمى  بسلسلة البلوكات block chain  , و تسجل هذه السلسلة على كل معاملة يتم إرسالها  و / أو استقبالها يومياً ، مما يسمح للكمبيوتر الخاص بأي مستخدم من التأكد من صلاحية و صحة كل معاملة على حده ,حيث تكون محمية  بتوقيع إلكتروني متوافق مع عنوان المرسل،  مما يسمح لجميع المستخدمين بالتحكم الكامل في إرسال و استقبال عملات البت كوين من خلال محافظ البت كوين الخاصة بهم , بالإضافة لذلك، يمكن لأي أحد إتمام المعاملات بإستخدام  برامج الكمبيوتر الخاصة بإجهزة متخصصة والحصول على جوائز بالبت كوين مقابل خدماتهم عبر ما يسمى بالتنقيب mining عبر الشبكة أو السلسلة، وهو الاّلية التى يتم  تداول عملات البت كوين وفقا لها.

وتعنى اّلية التنقيب mining إستخدام  برنامج  الكمبيوتر bitcoin core المعالج للمعاملات وتأمين الشبكة وإبقاء كل مستخدمي الشبكة متزامنين معاّ  و هو ما يسمى بالمزامنة timing وهي عملية التحميل والتحقق من كل معاملات البت كوين السابقة في الشبكة  ليقوم  برامج البت كوين بحساب رصيد المحفظة  الخاص بالمتعامل أو لعمل معاملات جديدة،  ويحتاج برنامج التشغيل معرفة جميع معاملات البت كوين السابقة لاجراء أى معاملة جديدة.

أما التنقيب  فيعتبر مركز العمليات المركزي للبت كوين و بشكل لا مركزي , لأن التنقيب يتطلب وجود منقبين اّخرين  فاعلين و متقابلين بجميع الدول ،لذلك  لا يوجد أشخاص لديهم تحكم كامل بالشبكة، كما أنشئ  موقع الكترونى للتنقيب عن البت كوين  بعنوان www.BitcoinMining.com

و للتعامل بالبت كوين كعملة افتراضية عدة مزاياّ و عدة عيوب أيضاّ ،نوجزها تباعاّ فى النقاط التالية:-

حيث تكمن مزايا التعامل بالبت كوين فى المزايا التالية:-

1- حرية التداول اللحظى

حيث  تسمح بإرسال واستقبال أي مبلغ من البت كوين لحظياً  و من أو إلى أي مكان في العالم وفي أي وقت على مدار الساعة  بدون أجازات و لا حدود و لا قيود لتخطيها, و تسمح البت كوين لمستخدميها بالتحكم  فى أموالهم  الالكترونية بشكل كامل.

2-  تدنى تكلفى  تنفيذ المعاملات

يتم  تنفيذ  معاملات  البت كوين  تنفيذ  إما بدون رسوم  أو برسوم قليلة جداً مفارنة بالتكلفة الكبيرة لتنفيذ المعاملات المالية عبر شبكات التحويل المالية و المصرفية الرسمية

3-  تدنى مخاطر الاحتيال و السرقة

معاملات البت كوين مؤمنة تماما  فهى تحمي المتعاملين من  اية احتمالات للخسائر الناشئة عن الإحتيال أو المحاولات غير الأمينة لإسترجاع الأموال،

4- الأمان و التحكم الكامل فى المعاملات

يمتلك مستخدمي البت كوين تحكم كامل في معاملاتهم؛  لذلك يستحيل  أن يفرض عليهم أية رسوم غير معلن عنها مقارنة بوسائل الدفع  التقليدية الأخرى, فمعاملات البت كوين يمكن ابرامها بدون ربط المعلومات الشخصية  للمتعاملين بالمعاملات , وهذا يوفر حماية فائقة  و مانعة لسرقة الهويات , ومستخدمي البت كوين يمكنهم أيضاً حماية أموالهم من خلال النسخ الإحتياطية والتشفير.

5- الافصاح و  الشفافية والحياد 

جميع المعلومات الخاصة بمعاملات البت كوين تكون متاحة بسلسلة البلوكات لأي أحد لكي يستخدمها ويستوثق منها بشكل لحظي مما يجعلها ذات شفافية و حيادية مطلقة لكافة للمتعاملين , فلا يمكن  أن يتحكم أو يتلاعب أحد ببروتوكول البت كوين لأنه مؤمن من خلال نظامى تعمية و تشفير كاملين , وهو ما يتيح  قدر كبير من الموثوقية في كون البت كوين  محايداّ و شفافاّ ويمكن تنبؤ  المتعاملين بسائر مخرجاته بشكل مسبق و كامل.

بينما، تكمن  عيوب  التعامل  بالبت كوين فى العيوب التالية :-

1-  تدنى درجة القبول العام

لا تتمتع البت كوين بقبول عام كبير لأن العديد من الأشخاص غير ملمين  باّليات  التعامل بها  ,و لكن يزداد التعامل بها  بمرور الوقت، والمزيد من الأعمال  تتم بقبول البت كوين طلباّ  للحصول على مزاياها ، لكن بشكل عام مازالت معاملاتها محدودة مقارنة بالنقود الحقيقية ذات القبول العام.

 2- القابلية للتلاشى

قيمة المعاملات التى تتم بالبت كوين مازالت ضئيلة جداّ مقارنة بقيمة المعاملات التى تتم بالنقود الحقيقية, مما يهدد البيت كوين كعملة افتراضية ناشئة بالتلاشى و الاختفاء من التداول سريعاّ , و لكن  قد تقل الاحتمالت الكبيرة لتلاشيها تاثراّ بالتطور التكنولوجى السريع فى كل من الاتصالات و المعلومات.

 3 – الإستخدام  غير القانونى للبت كوين

يمكن استخدام معاملات  البت كوين بأمان تام فى تمويل كافة الانشطة غير المشروعة كتمويل الارهاب و التهرب الضريبى و غسل الاموال و الجريمة المنظمة عبر الحدود و بشكل يحد من قدرة السلطات على تعقبها نظراّ لانها تحجب هوية المتعاملين  بها حجباّ تاماّ .

4- الطبيعة السرية للبت كوين

البت كوين مصممة لكي تسمح لمستخدميها بإرسال وإستقبال الأموال بدرجة كبيرة من الخصوصية ، فالبت  كوين برغم سريتها  فانها غير مجهولة تماماّ, لأن إستخدام البت كوين يترك وراءه سجل عام شامل على الشبكة  يتيح امكانيات كاملة للتحقق من المعاملات  دون التحقق من هوية أطرافها بفضل وجود تقنيات متعددة لحماية خصوصية المستخدمين ، وتقنيات  أخرى لازالت قيد التطوير.

 5-  الطبيعة غير القانونية للبت كوين

برغم أن البت كوين لم يتم تجريمها  قانوناّ من قبل المشرع في معظم  دول العالم. و لكن بعض الدول كالأرجنتين و روسيا  تقوم بتقييد أو حظر المعاملات الأجنبية باستخدام البت كوين , و بعض الدول الأخرى كتايلاند  تفرض قيود على معاملات البت كوين ,و تحاول بعض السلطات  قضائية دمج هذه التكنولوجيا الجديدة  منظومة النظام المالي الرسمي , حيث قامت دائرة رسمية بوزارة المالية الأمريكية وهى شبكة مكافحة الجرائم المالية (FinCEN) مؤخراّ  بإصدار ارشادات عامة للمتعاملين لتفادى التورط فى العملات الوهمية ،ولكنها  تظل مجرد ارشادات غير ملزمة  ولا ترتقى للقواعد القانونية الاّمرة الملزمة.

و نظراّ  لكل من الطبيعة غيرالقانونية و امكانيات الاستخدام  الغير محدودة  للبت كوين فى تمويل كل من الاقتصاد الأسود و الأرهاب , فقد سارعت دول الاتحاد الأوروبي مؤخراّ بفرض قيود على التعاملات المالية التي تتم بالبت كوين فى أعقاب الحوادث الأرهابية التى طالت باريس , وعلى خلفية تداول الإعلام  الفرنسي  لبيان  صادر عن مجموعة  قراصنة  تعرف بأسم  Ghostsec  يعتقد إنهم تابعون لمجموعة قراصنة أنونيموس الشهيرة  و يروجون لامتلاك تنظيم  داعش حساب بعملة بيت كوين الافتراضية.

ولا شك أن هذه العملة الافتراضية  تستمد قوتها  فقط من التقنيات الحديثة و التطور التكنولوجى الذى دمج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات  معاّ  فى تقنية واحدة , وبرغم ذلك لا تتوفر في البت كوين خصائص النقود القانونية من حيث كل من قوة الابراء القانونى و القبول العام و سلطة الاصدار و مستودع  أو خزان للقيمة , لذلك لا يمكن الاعتراف القانونى بها باعتبارها عملة مستقلة بذاتها لأنها مشتقة من العملات الحقيقية  لأنها  تنشأ رقمياّ  من رحم هذه العملات الحقيقية كالدولار و اليورو , و يمكن تحويلها الى عملات حقيقية , فالمال لاينشأ من العدم , لذلك فأن خضوعها للرقابة أمر حتمى لأنها مجرد ظل مستتر للنقود الحقيقية بمتعاملين يتوارون خلف منصات تداول الكترونية مشفرة حاجبين هوياتهم عن العالم ،وهنا مكمن الخطورة ,  فلماذا يتوارون طالما معاملاتهم شرعية؟

CNA– مقال بقلم ، أحمد الألفى ،الخبير المصرفى المصرى

[box type=”info” ]الكاتب .. مصرفى يعمل مديرًا بأحد البنوك المصرية .. له مؤلفات عديدة فى المجالات المصرفية والمالية [/box]

موضوعات ذات صلة