Null

مقال| الأموال الساخنة وتأثيراتها على الاقتصاد المحلى والعالمى

أحمد الألفى

أطلق على النقود الساخنة “hot money” هذا الأسم بسبب قدرتها الكبيرة على سرعة التحرك دخولًا و خروجًا من وإلى الأسواق المالية المختلفة سواء العالمية أو المحلية،  مخلفة ورائها  إضطرابات و عدم إستقرار الأسواق. .

وتجوب النقود الساخنة أسواق العالم  شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً سعياّ وراء الربح السريع و الوفير،  فلا يهمها سوى الربح  وحده  فقط  لا غير، حتى  لو كان هذا الربح  على  حساب  تخريب  الاقتصاد.

ولقد ساعد تقدم وسائل الإتصال و تكنولوجيا المعلومات على المستوى العالمى تحرك النقود الساخنة عبر الشبكات المالية الإلكترونية من جهة، ومن جهة أخرى ساهمت سياسات تحرير الخدمات المالية وحرية إنتقال رؤوس الأموال عبر الحدود فى تدفق الأموال الساخنة إلى أسواق العالم المالية المختلفة على نحو غير مسبوق، لذلك أصبحت النقود الساخنة تتحرك على الصعيد العالمى على مدار الساعة حتى بات العالم المترامى الأطراف بالنسبة لها مجرد قرية كونية محلية الطابع عالمية الجغرافيا، حيث إستفادت النقود الساخنة من العولمة إستفادة كبرى وساحقة أيضاً.

وتقدر حركة الأموال أو النقود الساخنة عبر العالم بعدة تربليونات من الدولارات الأمريكية، وتتخذ أشكالاً قانونية متعددة سواء فى صورة صناديق إستثمار مغلقة أو مفتوحة، كما تتخذ من الدول أو الجزر ضعيفة أو عديمة الرقابة المالية الحكومية مقاراً  أو مراكز رئيسية لها كجزر الكايمان والكباريبى، وما إلى ذلك من أوكار عالمية للقمار المالى العالمى وتحت بصر ومباركة النظام المالى العالمى الذى يغص الطرف عنها بإسم الحرية المالية والإقتصادية.

وعادة ما تستهدف النقود الساخنة البورصات المالية العالمية والمحلية، إلا أنها تستهدف بورصات الأوراق المالية فى الأسواق الناشئة تحديداً حيث تكون الفرصة سانحة بدرجات أكبر فى تحقيق الأرباح السريعة جداً مقارنة بالبورصات العالمية التي يتطلب التعامل فيها مستوى أعلى من الإحتراف ، ويخضع لقدر ومساحة أعلى من الشفافية و حدود الإفصاح المالى التى لا تتوفر فى الأسواق الناشئة، فضلاً عن وفرة الأموال الساخنة بالنسبة لكل من حجم المعاملات اليومية ورأس المال السوقي في الأسواق الناشئة، مما يجعل للأموال الساخنة قدرة  كبيرة على توجيه وقيادة الأسواق الناشئة والتحكم في مستويات الأسعار بشكل مصطنع ومستتر يؤدى في النهاية  إلى تعظيم أرباحها وإلى خسارة جميع المتعاملين المحليين لأوراقهم المالية نتيجة عدم التكافؤ أو المنافسة غير المتكافئة مع النقود الساخنة من حيث القدرة المالية والدراية الكبيرة بأساليب التأثير غير الشريفة على مستويات الأسعار فى البورصات من جهة.

ومن جهة أخرى قدرة هذه الاموال الساخنة  الفائقة  والقذرة على الإختراق الإدارى لمسئولى بورصات الاسواق الناشئة و الذى يمكنها من الحصول على المعلومات التفضيلية الغير متاحة لباقى المتداولين ، و التى يجنون  أرباحاّ فلكية من جراء إستخدامها.

وتتصف الأموال الساخنة بالقدرة السريعة جداً على الإنسحاب و الخروج  من البورصات عند بدء إنهيار أو تراجع الأسعار تاركة المستثمر المحلى ولاسيما الصغير والطماع أيضاً ينتظر إرتفاع الأسعار لتعويض خسائره التى لن يعوضها أبداً لأن مثل هذا المستثمر أمواله باردة وقليلة!! كما تتصف الأموال الساخنة بالقدرة السريعة جداً أيضاً  على الدخول فى البورصات عند بدء إرتفاع الأسعار محققة الأرباح السريعة و الوفيرة.

ولقد وصلت النقود الساخنة إلى البورصة المصرية التى تفتح أبوابها لكل من هب ودب لإفساد السوق والإقتصاد ودون أن يدفع أية ضرائب بإسم  تشجيع الاستثمار، و ساهمت هذه النقود الساخنة مساهمة كبيرة جداً فى إستنزاف إحتياطى النقد الأجنبى بعد ثورة 25 يناير.

حيث تكلفت مصر حوالى 13 مليار دولار أمريكى لتغطية تكلفة خروج النقود الساخنة من مصر لتبحث عن مكان أو ملاذ اّخر تمارس فيه التخريب المالى والإقتصادى على نحو آمن، والجدير بالذكر أن النقود الساخنة عندما تأتى أو عندما جاءت لمصر، لم تتعامل فى السوق المصرفية الرسمية، حيث تحول أموالها بالعملة الصعبة مع تجار العملة أو دكاكين الصرافة أو البقالة المصرفية حتى لو كان الفارق فى الأسعار قرشاً واحداً.

وعندما تخرج فإنها تحول أموالها إلى العملة الصعبة من الجهاز المصرفى وبالسعر الرسمى المدعم ، وهكذا تمص الأموال الساخنة دم الإقتصاد مصاً شرعياً  وتحت مظلة وحماية قوانين الاستثمار، ويتحمل تكلفة ذلك كله المواطن البسيط المطحون فى طوايبر العيش وغيره عشان خاطر عيون النقود الساخنة بل الملتهبة لتجنى الأرباح السريعة، بل الفائقة السرعة و بسرعة 132 ميجابيت .

وتحترف النقود الساخنة عمليات المضاربة و المراجحة  لجنى الإرباح ، و تختلف عملية المضاربة speculation عن عملية المراجحة arbitrage فى أن عملية  المضاربة تتم على سهم معين أو على عملة معينة أو على سلعة معينة  فى بورصة  واحدة ، و ذلك بالقيام بعمليات شراء مكثفة بهدف إعادة البيع  بأسعار أعلى من أسعار الشراء ، بينما تتم عملية المراجحة على سهم معين أو على عملة معينة أو على سلعة معينة  فى عدة بورصات وفى وقت واحد.

فمثلاّ عندما يرتفع سعر الدولار أمام الجنية الاسترلينى فى سوق لندن ، يقوم المراجح  بشراء الجنية الاسترلينى من سوق لندن و بيعه فى نفس الوقت فى سوق فرانكفورت ، أو شراء الدولار من سوق طوكيو و بيعه فى نفس الوقت فى سوق لندن ، وهكذا يحقق المراجحون الأرباح  بالاستفادة من  فروق الاسعار بين الأسواق المختلفة، ويترتب على ذلك أن المضارب يكون مقيدًا بحدود النطاق الجغرافى للسوق الواحد الذى يضارب فيه ، بينما لا يقيد المراجح بأية حدود جغرافية للأسواق ، فأسواق العالم مفتوحة على مصراعيها أمامه للمراجحة ، مع مراعاة فروق التوقيت !!

ويحدثنا التاريخ  المصرفى الحديث و المعاصر عن الدور  التخريبى الذى  لعبته الأموال الساخنة فى صناعة  أزمة دول النمور الاسيوية  فى تسعينيات القرن الماضى ، و تحديداّ ما قام به المخرب المالى العالمى الكبير جورج سورس لضرب عملات هذه الدول ، و لكن سرعان ما تخطت دول النمور الاسيوية هذه الأزمة بفرض اّليات رقابية صارمة على كل من الجهاز المصرفى و أسواق المال ، وأيضاّ لأن هذه الدول لديها هياكل إقتصادية قوية و صناعات تصديرية منافسة.

ولقد انتشر وباء الثراء السريع على النطاق العالمى تحت مسمى تجارة الفوريكس forex ، وتجوب إعلانات هذه التجارة  العالم عبر الانترنت لاصطياد المغفلين من راغبى وهم الثراء السريع بدعوى مضاعفة أموالك فى عدة أسابيع ، وما إلى ذلك من عبارات براقة وزائفة.

حكمة مازحة

ما الفرق بين النقود الساخنة و النقود الباردة؟؟

الأولى تكوى الاقتصاد والثانية تنكوى بالاقتصاد!!

CNA– مقال بقلم،، أحمد الألفى، خبير مصرفى و كاتب له عدة مؤلفات فى البنوك و الاقتصاد