مقال .. بند الأجور فى الموازنة العامة .. قنبلة موقوتة!

EHAB SAED 567
إيهاب سعيد

مازلت أذكر حوار د. يوسف بطرس غالى وزير المالية الأسبق، ببرنامج مصر النهارده، وهو يتحدث عن الحد الأدنى للأجور, والذى كان قد حدده المجلس القومى آنذاك بنحو 400 جنيه , مما أثار حاله من الغضب والإستياء, ليقول “إننا نتمنى لو أن الحد الأدنى للأجر أعلى, ولكننا نخشى أن يتسبب الرفع فى زيادة معدل البطالة”.

ويذكر أن إجمالى بند الأجور فى الموازنة العامة فى حينه كان يدور حول 96 مليار جنيه، مع عجز فى الموازنة يقارب 98 مليار جنيه بنسبة 8.10% من إجمالى الناتج المحلى, ويبدو أن الشارع لم يستوعب فى ذاك الوقت المبررات التى ساقها الوزير فى حواره, ولذا أرجع البعض أحد أسباب قيام ثورة يناير إلى حد أدنى عادل للأجر لا يقل عن 1200 جنيه.

ونظراً للمرحلة التى أعقبت الثورة وضعف الحكومات التى تلتها وعلى رأسها بالطبع حكومة د. عصام شرف, فقد بدأ رفع الحد الأدنى للأجور لإرضاء الشارع الثائر وتنفيذ حكم محكمة القضاء الأدارى, ليرتفع بند الأجور فى موازنة 2012 إلى 142 مليار جنيه, يقابله على الجانب الأخر إرتفاع عجز الموازنة إلى 143 مليار جنيه, كما إستمرت الحكومات التالية فى رفع الأجور لأسباب متعددة, حتى وصل هذا البند فى العام القادم الى 228 مليار جنيه مع إرتفاع عدد موظفى الجهاز الادارى إلى 6 مليون و200 الف, بمعدل موظف لكل 12 مواطن وهو المعدل الأعلى على مستوى العالم .

يقابله على الجانب الأخر عجز موازنة مرشح لملامسة 300 مليار جنيه على الرغم من ترشيد دعم الطاقة وتراجع أسعار النفط عالمياً, ومن هنا يتضح أن عجز الموازنة يتحرك صعوداً مع أى زيادة فى الأجور بالاضافة لأسباب أخرى ولكن بدرجة أقل, مثل إرتفاع خدمة الدين, لكن الأهم أن تلك الزيادة ليست ناتجة أو قائمه على أساس إقتصادى أو إنتاج حقيقيى, مما ينتج عنها زيادة مطردة فى أسعار السلع وإرتفاع معدلات التضخم, ليطرح السؤال نفسه, هل القيمة الشرائية لمبلغ 400 جنيه الذى لم يرضى عنها الشارع عام 2010 تزيد أو تقل عن القيمة الشرائية الـ 1200 جنيه الان ؟

ورغم كل هذه الزيادة فى معدل الاجور إلى أنها لا تتناسب مع مستوى المعيشة الحالى بإعتبار أن الزيادة فى الأجر دون أساس إقتصادى كما سبق وأشرنا سيقابلها إرتفاع فى أسعار السلع أضعاف مضاعفة, ولذا لم يشعر المواطن بأى تحسن فى المعيشة, بل قد تسوء أوضاعه كما هو حادث الأن, وللأسف المتضرر من هذا ليس فقط موظفى الدولة, وإنما الضرر الأكبر يقع على موظفى القطاع الخاص والذين يقاربون على 16 مليون شخص يعانون من الإرتفاع الجنونى فى الأسعار مع ثبات أو تراجع فى الأجور, بل والبطالة بفعل التسريح بعد غلق العديد من المصانع نتيجة التضييقات الحكومية والسياسات المالية والنقدية المعوقة للإستثمار, وكله لتوفير العجز فى الموازنة لصالح بنود عدة وأبرزها بند الأجور.

والحكومة بكل أسف بدلا من أن تعيد النظر فى ملف الإنفاق بشكل عام, تعود للبحث عن قروض أخرى بعد أن تأكلت الودائع والمنح الخارجية فى سد العجز بدلاً من توجيهها للمشاريع التنموية, لترتفع خدمة الدين أكثر وأكثر, مع إنتهاج سياسات مالية طاردة للإستثمار وفرض المزيد من الضرائب لتزداد معاناة القطاع الخاص, فهى لازالت تتعامل مع الوضع على إننا فى ثورة, والقرارات يجب أن تحظى بقبول قبل إتخاذها, وتلك الطريقة فى الإدارة  نهايتها معروفة للأسف .

والأدهى من هذا كله, وعلى الرغم من أن الحكومة عاجزة أصلاً عن تلبية متطلبات المواطن المصرى, فاجأتنا لجنة الدستور “الحالمة” بأعباء إضافية على الموازنة العامة بدعوى تحسين خدمات الصحة والتعليم والبحث العلمى, فأقرت بعض المواد لزيادة الإنفاق بمقدار 10% من إجمالى الناتج المحلى عام 2017, وهو ما يعنى قرابة 250 مليار جنيه إضافية !, والحقيقه أن الفكرة نبيلة لا شك, فلا يمكن أن يرفض أحد زيادة مخصصات تلك الخدمات, ولكن ماذا عزيزى القارئ لو علمت أن 80% من هذه المخصصات سيتم توجيهها لرفع الاجور!.

وبطبيعة الحال كل هذه الزيادة فى الإنفاق هى فى حقيقتها على حساب المواطن, فإرتفاع بند الأجور أو تلك المخصصات فى الموازنة العامة يقابله على الجانب الأخر توسع فى الإقتراض وإرتفاع حجم الدين, بالإضافة إلى ضرورة الخفض فى بنود أخرى, وأهمها بالطبع الدعم ومخصصات الإستثمار, فالمسألة ببساطة عباره عن ترشيد فى ملف الدعم ينتج عنه إرتفاع اكبر فى معدل التضخم, لتتأكل القوة الشرائية للنقود, وترتفع أسعار السلع أضعافاً مضاعفة بالمقارنة مع زيادة الأجر .

هل علمتم الأن لماذا يتراجع الجنيه!؟, هل علمتم أسباب الإرتفاع الجنونى فى الأسعار على مدار السنوات الأربع الماضية؟, بالتأكيد هناك أسباب أخرى عديدة يصعب تعديدها لضيق المساحة, ولكننا ركزنا فى بند الأجور على إعتبار أنه من أهم أزمات الموازنة العامة للدولة, ويبقى فى النهاية أن نعيد ونكرر التساؤل, متى ستتجرأ الحكومة على فتح ملف هيكلة الجهاز الإدارى على الرغم من دعمها بشعبية جارفة للرئيس!؟, وهل يكفى قانون الخدمة المدنية !؟ وماذا أيضاً عن ملف الخصخصة؟, متى سنبدأ التخلص من الشركات الخاسرة؟.

أذكركم ونفسى بما فعلته المانيا بعد توحيدها لإنقاذ الإقتصاد, حين عرضت بيع بعض شركاتها بمارك واحد فقط!, لتتخلص من أعبائها بعد ان فشلت كافة الطرق فى انقاذها.

CNA– مقال بقلم – إيهاب سعيد ،خبير بسوق المال المصرى

موضوعات ذات صلة