مقال| بنوك الجريمة المنظمة !!

أحمد الألفي

فرضت السلطات النقدية فى الولايات المتحدة الأمريكية غرامة مالية كبيرة جداّ  تقدر بنحو ما يقرب من  2 مليار دولار أمريكي، وذلك على بنك HSBC البريطانى الشهير وذلك لتورطه فى عمليات غسل أموال فى الأراضى الأمريكية بإستخدام حسابات مصرفية وعمليات تحويل أموال عبر شبكة فروعه العالمية لتمويل المخدرات.

وتعد هذه الغرامة المالية بمثابة أكبر غرامة مالية فى كل من التاريخ المالى والمصرفى، فهى الأكبر بلا منازع على مر العصور , وترجع وقائع هذه القضية إلى عدة أشهر مضت عندما ألقت المباحث الفيدرالية الأمريكية FBI القبض على أحد الصيادلة المشتبه فى قيامه بالإتجار فى المخدرات ، وأسفر القبض على هذا الصيدلى عن حيازته لمبلغ 200مليون دولار أمريكى عداً ونقداً فى منزله ساعة القبض عليه ، فقد وزع هذا الصيدلى المتهم الدولارات وأخفاها فى جميع أنحاء منزله حتى الحمام كان مكدساّ بالدولارات ، أما المطبخ فكان له حظ وافر من رزم الدولارات فى فرن البوتاجاز وفى دواليب المطبخ ربما لكونه مجهزاً ضد الحشرة وضد النار!

وكشفت تحقيقات المباحث الفيدرالية الأمريكية النقاب عن مصدر هذه الأموال الضخمة السائلة التى كانت فى حيازة هذا الصيدلى، حيث تبين أنها خضعت لعدة تحويلات عبر عدة حسابات فى هذا البنك وأنه قام بصرفها نقداً من حساب مصرفى مفتوح بإسمه فى هذا البنك.

ولقد خالف هذا الصيدلى “بتاع مزاج الشر” أعراف وقواعد تجارة المخدرات المعروفة عالمياً فيما يتعلق بعمليات الدفع والسداد ، حيث يتم السداد فى عالم المخدرات عداً  ونقداً، أى على الكبوت بلغة السوق فى مصر، فلا حسابات مصرفية ولا شيكات ولا تحويلات ولا إئتمان فى عالم المخدرات الذى يخضع للتمويل الذاتى عالى النكهة ، فهذه طبيعة تمويل المخدرات الذى يخلو من الائتمان بالنسبة لكل من المستهلك والمنتج والمتعاطى والمخزن الذى يعد بمثابة الكحول فى عالم المخدرات.

ولا غرابة إطلاقاً فى وجود أبعاد تمويلية لتجارة المخدرات على المستوى العالمى والمحلى لأن هذه التجارة تخضع لعالم منظم وشديد التعقيد لذلك تتطلب بنك العالمى مؤهل ليكون على مستوى الحدث؟؟ إنه البنك العالمى فائق الكيف !! وإكتفت السلطات الأمريكية بالتصالح مع بنك تمويل الكيف العالمى وقبضت الغرامة المالية الكبيرة دعماً لموازنتها المنهكة بالمغامرات العسكرية ، أما الجانب الجنائى بالنسبة للمسئولين المصرفيين المتورطين فى تمرير هذه المعاملات غير المشروعة فلم يمس أى منهم بسوء ومازالوا  قابعين فى مواقعهم الأنيقة يتقاضون المرتبات الفلكية على حساب كل من أموال المودعين وحملة الأسهم معاً !!

ترى من الذى يوفر الحماية الجنائية لمثل هؤلاء المسؤلين المصرفيين ؟؟ إنهم مسئولين آخرين أكثر فساداً ونفوذاً من هؤلاء المسؤلين المصرفين , فهى منظومة فساد سياسية وقانونية وأخلاقية فى المقام الأول توفر حماية جنائية لهذا الفساد المصرفى العالمى.

ولعل الصدفة وحدها هى التى زجت بهذا البنك العالمى فى هذه القضية وكشفت عن تورطه فيها لأن المستندات كانت معقمة و متستفة تستيفاً دقيقاً بدءاّ بمسئولى التطابق و الإلتزام ومكافحة غسل الأموال و التدقيق و التفتيش الداخلى وإنتهاءاّ بكل من الإدارة العليا للبنك و السلطات الرقابية الخارجية التى يخضع  البنك لولايتها الرقابية ، ولكن القبض على الصيدلى وفى حيازته الأموال المنصرفة من هذا البنك كان دليلاً دامغاً على تورط هذا البنك فى غسل الأموال وتمويل المخدرات.

وطبعاً وكالعادة كانت السلطات النقدية الرقابية نائمة فى العسل أو فى غبار هبو الكيف لأنها  تراجع أوراق ومستندات متستفة بعناية , ولا تراجع وقائع ربما بحسن أو بسوء نية !! الله أعلم؟؟

و لا يقتصر تورط البنوك العالمية فى الجريمة المنظمة على هذا البنك البريطانى الشهير فحسب , بل تورط العديد من البنوك العالمية ذات الأسماء الرنانة فى جرائم غسل أموال كبيرة , و كالعادة تكتفى السلطات بفرض غرامات مالية كبيرة عليها , و هكذا ينتهى الأمر !

وأخيراً ، أعتقد أن الوقت قد حان لإعادة فتح ملف البنوك الأجنبية والعالمية  و الحد من تواجدها فى بلادنا لأنها لم تعد بريئة مما يحدث عالمياً ومحلياً، لا نريد أنفاق فى الجهاز المصرفى على غرار أنفاق غزة !! فالأنفاق المصرفية أخرها أنفاس كيف و دمار!!

قول غير مأثور

لماذا توجد بنوك الجريمة المنظمة ؟؟؟

لإتاحة الشمول المالى للمجرمين!!

CNA– مقال بقلم،، أحمد الألفي، كاتب وخبير مصرفي

موضوعات ذات صلة