مقال| بنوك الخفافيش .. وأموال مصاصى الدماء

أحمد الألفى

الصيرفة خارج الحدود أو البنوك خارج الحدود Off- SHORE BANKS تعنى تحويل الأموال أو الأصول عبر الحدود السياسية ليتم إيداعها وإدارتها فى حسابات مصرفية فى بنوك ومؤسسات مالية بالخارج فى دول أخرى بخلاف الدولة أو البلد المقيم فيها صاحب الحساب المصرفى.

ونشأت هذه البنوك أساساً فى جزر CHANNEL الإنجليزية والتى تقع جغرافياً خارج حدود المملكة المتحدة و لا تسرى عليها القوانين المنظمة لعمل المصارف داخل المملكة المتحدة، وانتشرت هذه البنوك فى جزر الكايمان والباهاما، ويلجأ عادة المودعين للتعامل مع هذه البنوك للإستفادة من المزايا التالية:

  1. الخصوصية والسرية الشديدة.
  2. الحد الأدنى من القيود القانونية والرقابية.
  3. التجنب أو التهرب أو الإعفاء الضريبى.

ويختلف التهرب الضريبى عن التجنب الضريبى،  فى أن الأول عمل غير مشروع مجرم قانونًا، بينما الثانى يعد عملا مشروعًا قوامه إختيار الأنشطة المعفاه من الضرائب للإستثمار فيها و/ او إختيار الدول التى تمنح  إعفاءات من الضرائب للإستثمار فيها، و من ثم يتم تجنب الخصوع للضرائب بسكل قانونى و شرعى.

ومن أكبر عملاء هذه البنوك العملاء من حملة جنسية الولايات المتحدة الأمريكية حيث يفرض عليهم قانون الضرائب الأمريكى الإقرار عن جميع عناصر الدخل حتى لو كان متحصلاً عليه خارج الولايات المتحدة، لأن قانون الضرائب الأمريكى يقوم على مبدأ جنسية الضريبة وليس على مبدأ إقليمية الضريبة،

بمعنى  خضوع الدخل الذى يكتسبه المواطن الأمريكى خارج الولايات المتحدة الامريكية  للضريبة ،وتوفر هذه البنوك الحماية لحملة الجنسية الأمريكية، فهى غير ملزمة بالإقرار عن عملائها لسلطات الضرائب الأمريكية، ولكن مؤخراً ضغطت الإدارة الأمريكية على البنوك السويسرية للتهرب من سداد الضرائب، وأسفر الضغط السياسى الأمريكى على السلطات النقدية السويسرية عن إختراق السرية المصرفية السويسرية التى تحيط بها عملائها، حيث تفتح هذه البنوك أبوابها لجميع الأموال غير المشروعة والتى تبحث عن الملاذ الآمن وتحتمى بالسرية عفواً بالعتامة المصرفية.

وفى إطار  مكافحة التهرب الضريبى  لجميع حاملى الجنسية الامريكية، خاضت الولايات المتحدة الامريكية حربًا ضروس مع جميع مصارف العالم من أجل الحصول على معلومات عن الحسابات المصرفية لحاملى الجنسية الامريكية بجميع بنوك العالم ، و أسفرت هذه المعركة عن إصدار الولايات المتحدة الامريكية للقانون المعروف بأسم قانون الامتثال الضريبي الأمريكي (فاتكا) The Foreign Account Tax Compliance Act (FATCA).

‏‏و يهدف الى التصدي لعمليات التهرب الضريبي لجميع حاملى الجنسية الامريكية سواء أفراد او شركات من خلال استخدام حسابات تفتح في مؤسسات ماليةأجنبية خارج الولايات المتحدة

ويلزم هذا القانون جميع المؤسسات المالية والبنوك على مستوى العالم بالإفصاح عن الحسابات المصرفية للافراد و الشركات من حاملى الجنسية الامريكية ، و تتعرض البنوك الممتنعة عن هذا الإفصاح لعقوبات امريكية رادعة، من أهمها مصادرة حساباتها لدى المصارف الامريكية و إغلاق فروعها – إن وجدت –  فى الولايات المتحدة الامريكية ، و مع هذا ستبقى بنوك الخفافيش حرة طليقة ، لأنها تعمل برعاية أجهزة سيادية سرية للغاية و خارقة للقانون.

وتعتبر الصيرفة خارج الحدود أو بنوك الـ OFF-SHORE حسابات مصرفية لأشخاص غير مقيميين فى الدول أو فى الجزر التى توجد فيها هذه البنوك، وتشير الدراسات المنشورة إلى أن هذه البنوك تعد بمثابة جنات ضريبية بالنسبة لعملائها غير المقيمين الذين يلجأ معظمهم إلى هذه البنوك للتهرب الضريبى من قواينن بلادهم التى يحملون جنسياتها.

ولكن السؤال المطروح للمناقشة، ألا وهو لماذا يبحث المودعين عن بنوك توفر لهم السرية المصرفية المطلقة وتجنب القيود القانونية والضريبية؟

وتكمن الإجابة أن هذا النوع من البنوك حتى لو كانت تقع جغرافياً خارج الحدود السياسية لبلادهم، إنما يريدون إخفاء شئ ما من عدم الشرعية يحيط بكيفية حصولهم على هذه الأموال و/ أو عدم الرغبة فى سداد الضرائب طبقاً لقوانين الضرائب السارية فى بلادهم.

إذن فالأمر تعتريه شبهات مؤكدة تحيط بشرعية هذه الأموال وبالرغبة فى الإحتفاظ بها خارج الحدود فى بنوك لا تخضع لإمرة السلطات النقدية والسياسية لبلادهم التى لا ينتمون إليها، هذا عن أصحاب الأموال، أما بالنسبة للسلطات النقدية والسياسية فى الدول التى تستضيف بنوك الـOFF-SHORE داخل أراضيها، فإن هذه السلطات تغض الطرف عن مسألة الشرعية لرغبتها فى الإستفادة من هذه الأموال الضخمة الهاربة من بلادها لتتخفى فى بنوك الخفافيس خارج الحدود.

وبقى أن نعلم أن معدلات الفوائد التى تدفعها بنوك الخفافيش هذه هى نفس معدلات الفوائد السارية فى كافة الأسواق المصرفية العالمية على العملات المختلفة، فلا توجد أى مميزات فى أسعار الفائدة، لأن التخفى  والعتامة هو الأساس فى طبيعة عمل هذه البنوك.

وأخيراً، فإن ثمة تعارض واضح بين قوانين غسل الأموال وبين طبيعة عمل بنوك الخفافيش خارج الحدود، ولكن لماذا أبقت كل من السلطات السياسية و النقدية على هذه البنوك برغم إختراقها الواضح لقوانين غسل الأموال؟؟ أنها مصالح لا يعلمها إلا الله، فقليلاً من الغسل قد يكون ضرورة لتعقيم باقى الأموال؟؟

حكمة مازحة

لماذا يذهب البعض لبنوك الخفافيش؟؟

لأن أموالهم تفسد إذا تعرضت للضوء!!

CNA– مقال بقلم،، أحمد الألفى، خبير مصرفى و كاتب له عدة مؤلفات فى البنوك و الاقتصاد

موضوعات ذات صلة