مقال.. تأثير الابتكار الحكومي على الاقتصاد في الوطن العربي

محمد محمود

الابتكار أحد أهم سمات التحول من اقتصاد تقليدي إلى اقتصاد المعرفة ، فهو مفتاح التنمية الاقتصادية و يمكن أن تعتمد عليه الدول مستقبلًا فى الاقتصاد  كمورد رئيسي للتنمية و يتطلب  الابتكار اجراء تغيير اجتماعى وثقافى مصاحب للتحول الاقتصادى.

فاليابان أول الاسماء المطروحه المقترنة بالابتكار فهى دولة بلا موارد طبيعية ولكن مع الاهتمام بالمورد البشري والابتكار الاقتصادي استطعت اليابان أن تكون من أهم الاقتصاديات على مستوى العالم ومحققة أعلى معدلات للناتج المحلي الإجمالي .

ويمكن القول أن الحكومات  والافراد والشركات و المؤسسات في جميع دول العالم  تواجه تحديات جديدة وتغيرات متسارعة ومتزايدة ,وذلك فى ظل التكنولوجيا والأدوات التي يمكن استغلالها لتلبية متطلبات التنمية الاقتصادية الا أن هذه الأدوات لن تنجح في سياق العمل التقليدي وتحتاج الى تفكير خارج الصندوق وحلول غير تقليدية في اطار الابتكار والابداع للوصول لحلول وآليات حديثة وملائمة لتحديات القرن 21.

ولعل أهم ما يواجه الكثير من المستثمرين  فى الوطن العربي علي سبيل المثال هو الاجراءات الحكومية الروتينة والتي تعيق الاستثمار فكلما كان هناك بيئة حكومية ابتكارية مناسبة زاد الاستثمار، كلما زاد تقديم الخدمات الحكومية عن بعد وعن طريق الانترنت والابتكار فى تقديم الخدمات كلما زادت فعالية الحكومة فى تقديم خدمة للمواطن بجودة عالية , مهمة الحكومات هو تقديم بيئة مناسبة للابتكار الاقتصادى بالتعاون مع شركات القطاع الخاص والمؤسسات والمجتمع المدني والافراد .

يرجع فشل الابتكار في الحكومات فى العالم العربى للعديد من الاسباب أهمها :-

  • افتقاد فلسفة أن الحكومة أن تصنع قرار وتخطط وليس هدفها الاول أن تدير الاعمال اليومية فقط للمواطن ومثال على اتخاذ القرار الابتكارى وصناعته فى الحكومة فى مصر  على سبيل المثال يمكن تغير مواعيد فتح واغلاق الاماكن الاثارية فيمكن فتح الاماكن السياحية من الظهر وحتي الليل وبعد ساعات  العمل الحكومى الرسمى ويمكن تطبيق هذه الفكرة على بعض الاماكن واذا نجحت الفكرة يمكن تطبيقها فمجرد هذا القرار سيجعل هناك فرص كبيرة لزيادة عوائد السياحة وخصوصا الداخلية فى مصر.
  • نتيجة للروتين وعدم وجود بيئة تشريعية وقانونية مناسبة تسهل تقديم الخدمات الحكومية للمواطن فمعظم الدول العربية فى ترتيب سيئ للمؤشرات التنافسية .
  • عدم وجود قناة للاستماع للباحثين والمواطنين والمجتمع المدني للتواصيل الافكار والمقترحات .

أدي عدم الابتكار والفشل الحكومي فى الوطن العربى للزيادة الفساد وضياع الفرص الاقتصادية وبطئ التنمية الاقتصادية

فكيف يمكن تقديم الخدمات الحكومية  بطريقة مبتكرة؟

  • التواصل مع العملاء (المواطنين) وفهم الاحتياجات الخاصة بهم
  • لابد من شراكة تجمع الحكومات والمجتمع المدني والقطاع الخاص في مجال تقديم الخدمات الحكومية واستغلال البيانات الضخمة والتتطور المعرفي والتكنولوجي.
  • العمل على محاربة الفساد والروتين الحكومي بصورة جدية.
  • تقديم مبادرات ابتكارية وتبني سياسات وخطط حكومية ابتكارية.

كما يمكن الاهتمام بالابتكار الحكومي ودعمه من خلال الموازنة العامة للدوله والتى تعبر عن موارد وانفاق الدولة فهناك جودة الموازنة العامة للدوله , حيث الابتكار فى توجية الانفاق الحكومى وتوجيه مصروفات يمكن أن يكون لها عائد في المستقبل فهناك مصروفات استراتيجية مثل شراء الاصول والاقراض وانشاء المشروعات القومية  والاستثمار وغيرها  وهناك مصروفات استهلاكية لا عائد منها مثل الرواتب وسداد الديون وغيرها.

ولا يمكن إغفال أن هناك مبادرات في العالم العربي ظهرت ففى دولة الامارات اعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بالتعاون مع مركز ستانفورد للتطوير المهني في جامعة ليلند ستانفورد جونيور في الولايات المتحدة الأميركية، عن إدخال منهاج الابتكار وريادة الأعمال كمساق معتمد وإلزامي وتدريسه في مختلف التخصصات بالمراحل الدراسية الجامعية، وأكد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الشيخ حمدان بن مبارك آل نهيان، أن القرار يأتى فى اطار تطبيق الإستراتيجية الوطنية للإبتكار، وتبني مبادئ ريادة الأعمال في العمل الحكومي.

حيث حلت  الامارات في مؤشر الابتكار العالمي 2016 في المرتبة الأولى عربياً و41 عالمياً من حيث أدائها الشامل على المؤشر، متقدمة من المرتبة الثانية عربياً و47 وجاء ذلك نتيجة طبيعة لمجهود الامارات  حيث تم إطلاق الاستراتيجية الوطنية للابتكار عام 2014، ارتفع مؤشر براءات الاختراع من المرتبة 93 في عام 2015 إلى المرتبة 68 عام 2016، كما تم  زيادةالإنفاق على البحث والتطوير والمعرفة .

في أبوظبي مثلاً في عام 2014، تم تقديم المحكمة النموذجية المتنقلة التي تُعتبر الأولى من نوعها في العالم، وهى نموذج فريد في تقديم الخدمات القضائية و تطوير مفهوم الخدمات القضائية بأساليب إبداعية توفر وقت وجهد المتعاملين، والوصول بخدماتها إلى جميع فئاتهم في كل وقت وأي مكان من خلال تنقل المحكمه وانهاء كثيراً من الإجراءات بصورة فورية .

وفي قطر أطلقت لجنة المشاريع والإرث -المسئولة عن إنجاز المشاريع المتعلقة ببطولة كأس العالم 2022 لكرة القدم في قطر- جائزة “تحدي 22” للابتكار,وهدف الجائزة رعاية الأفكار الواعدة وتطويرها، وابتكار حلول تسهم في تنظيم مونديال قطر 2022، إلى جانب دعم ثقافة الابتكار وريادة الأعمال في الوطن العربي و الشرق الأوسط.

وتتلقي الجائزة مقترحات تتضمن حلولا مبتكرة للتحديات في ثلاثة مجالات رئيسية للبحث، هي: الاستدامة، وتجربة الحدث والرياضة، والصحة ,فالوطن العربي غنى بالموارد الطبيعية والبشرية والتى يمكن أن تغير مسار التنمية الاقتصادية فى العالم العربي.

من لا يبتكر يموت فى ظل التقدم التكنولوجى

علي سبيل المثال شركة كوداك الأمريكية  كانت لمدة تزيد عن قرن تسيطر على إنتاج الأفلام الفوتوجرافية وأدوات التصوير، قدمت كوداك خدماتها في كل دول العالم تقريبًا حتى أشهرت إفلاسها عام 2012 لأنها لم تتنبأ بثورة التصوير ولم تمتلك القدرة على الابتكار الكافي لمنافسة شركات التصوير الرقمي مثل كانون.

الشركة الفنلندية نوكيا  الشهيرة في صناعة الهواتف المحموله انتشرت فى  150 دولة حول العالم  تقريبا مع أرباح هائلة، ظلت الشركة تسيطر على سوق الهواتف النقالة لما يقارب 20 عامًا تقريبًا حتي ظهرت شركات مثل آبل مع تقديم ابتكار مختلف فى عالم الهواتف المحمولة بما يسمى الهواتف الذكية فتأخرت نوكيا كثيرًا في مواكبة تطور الهواتف الذكية حتى أعلن رئيس الشركة وهو يبكي في مؤتمر صحفي أنهم فشلوا ولم يستطيعوا مواكبة التطور وفقدت الشركة حصتها المرموقة فى السوق العالمية .

مؤشر الابتكار العالمي

صدر أول مؤشر للابتكار العالمي في العام 2007 لقياس أداء الابتكار في الاقتصادات العالمية، وليكون مؤشر للحكومات ورجال الأعمال وغيرهم ممن يسعون لمعرفة وضع الابتكار في أية دولة حول العالم مؤشر الابتكار العالمي, يعتمد مؤشر الابتكار العالمي علي مؤشر مدخلات الابتكار، ومؤشر مخرجات الابتكاروهي الصورة النهائية للابتكار فى الدولة مثل المخرجات التكنولوجية والمعرفيةولمخرجات الابداعية.

يقيس مؤشر الابتكار العالمي لعام 2016أداء 128 بلداً واقتصاداً في مجال الابتكار، وذلك استناداً إلى 82 مؤشراً فرعياً، بما يسهم في تحسين طريقة قياس الابتكار وفهمه بوصفه محركاً للنمو والازدهار الاقتصادي,حلت سويسرا في صدارة دول العالم في المؤشر لهذا العام، تلتها السويد ثم المملكة المتحدة ,وعلي الصعيد العربي  احتلت الامارات أول الدول العربية  فى المؤشر فى المركز 41 تليها السعودية فى المركز 49 وقطر بالمركز 50 والبحرين 57 ومصر المركز 107 والجزائر 113 واليمن 125 .

فلكل دولة خصوصية فى مشاكلها وبالتالى يوجد طبيعة خاصة فى اسلوب معالجة المشاكل الوطنية بطريقة ابتكارية ,في ماليزيا على سبيل المثال بلغت نسب الطلاق في بداية التسعينات مرتفعة للغاية ومن أكبر نسب الطلاق فى العالم  فوجد رئيس الوزراء آنذاك مهاتير محمد أن هذا السبب يشكل عائقاً أمام التنمية الاقتصادية والاجتماعية حيث بلا شك يؤثر استقرار الاسرة على التنمية الاقتصادية فقرر معالجة هذا الوضع بتدشين ما يسمى (رخصة الزواج) وهي عبارة عن دورات تطويرية في الحياة الزوجية تستلزم طالبي الزواج من الجنسين قبل توثيق عقد الزواج بعد تطبيق رخصة الزواج انخفضت نسبة الطلاق في ماليزيا بسبب تلك الرخصة إلى 7%

وفى البرازيل قامت الدولة بتصميم برنامج لمكافحة الفقر يقوم على إعطاء معونات مالية للأسر الفقيرة لرفع مستواها وتحسين مستوى معيشتها، بشرط  أن يقل دخل الاسرة عن 28 دولارًا شهريًّا، و التزام الأسرة بإرسال أطفالها للتعليم و الحصول على الأمصال واللقاحات للأطفال بشكل منتظم وحقق هذا البرنامج نتائج متميزة خلال العقد الماضي، واشارات دراسان أن أكثر من 30% من الشعب البرازيلي قد استفاد من هذا البرنامج

في النهاية يجب أن تستفيد الاقتصاديات العربية بما حدث فى العالم من ثورة الصناعية والعلمية لتطوير الخدمات الحكومية فلابد من انشاء مراكز الأبحاث والمختبرات الحكومية للابتكار وتهيئة البيئة المناسبة للقطاع الخاص والافراد والمجتمع المدني للتنمية الاقتصاد.

CNA– مقال بقلم،، محمد محمود عبد الرحيم ،، كاتب وباحث اقتصادي

موضوعات ذات صلة