Null

مقال| خطورة ترك الاقتصاد للاقتصاديين !!

أحمد الألفي

تنسب  الى هنرى كيسنجر داهية  السياسة الامريكى مقولة أن الاقتصاد من الخطورة أن يترك للإقتصاديين  وحدهم، ولا تعد هذه المقولة  رأيا مجردا  فى الاقتصاد لسياسى مخضرم بقدر كونها منهج لإدارة  الدولة للاقتصاد من المنظوريين السياسي و الإجتماعي.

كما تجسد هذه المقولة كون الإقتصاد و السياسة وجهان لعملة واحدة يصعب فصلهما فى أحيان كثيرة، وبحسب نشأة علم الإقتصاد  السياسى و تطوره فغن تسييس الإقتصاد أمر تمارسه جميع السلطات السياسية فى العالم  بحسب درجة الليبرالية الإقتصادية للنظام الإقتصادى السائد فيها  ووفقا لعلاقة عكسية مؤكدة بين مدى ليبرالية النظام ومدى عمق التسييس فيه.

حيث تعد الموازنة العامة لأى دولة بمثابة ظاهرة سياسية ترتدى الثوب الإقتصادى وفقا لعلم المالية العامة  أحد فروع علم الإقتصاد .

ولكون علم الاقتصاد ملكة العلوم الإجتماعية فلا يمكن تناوله بمعزل عن جميع العلوم الإجتماعية متضمنا علم السياسية مما يضفى عليه صعوبات  جمة ناتجة من علاقات التشابك و التفاعل مع جميع العلوم الاجتماعية التى توج ملكاّ عليها لأنه ببساطة علم يتعامل مع السلوك البشرى وليس مجرد نماذج  أو قوالب رياضية بحتة  خلافا  لمدرسة شيكاغو الاقتصادية الامريكية  والتى أرادت  تطويره برعاية رونالد ريجان  الذى ألغى الرقابة المصرفية والمالية بدعوى انها تكبل الإبداع.

وهكذا أنتجت  مدرسة التجريد المالى هذه المشتقات المالية ذلك الوباء المالى الذى قاد العالم  للأزمة المالية العالمية طبعة 2008 لأنها ببساطة أفرغت علم الاقتصاد من  كل من مضمونه و بيئته و حولته الى علم رياضة بحتة، وهو ليس كذلك و لن يكون .

ولا شك أن الحرب الإقتصادية التى دارت رحاها  وشنتها الولايات المتحدة  ضد روسيا الاتحادية  منذ 4 سنوات بإغراق الأسواق العالمية بالبترول و لاسيما الصخرى منه، هى حرب  بسبب نزاع سياسى  حول أوكرانيا تم توظيف الاقتصاد فيه كورقة ضغط على روسيا لتحقيق أهداف سياسية  لم تتحقق بعد وغالبا  لن تتحقق.

ولكن تحققت منه أهداف اقتصادية كبيرة  ساهمت فى إنعاش  كل من الإقتصاد الامريكى و إقتصادات الدول الصناعية الكبرى بسبب إنهيار أسعار البترول  و الذى يمثل وفورات بالنسبة لها على حساب دول الأوبك ، و لاسيما دول الأوابك أى الدول العربية المصدرة للبترول التى تتصرف بمنطق  إقتصادى غيرسليم وضد مصالحها الإقتصادية لأنها رغم تهاوى الأسعار لم تخفض الانتاج  و لكنها تتصرف بمنطق سياسى سليم  لكونها حليف (عفوًا حليف مجرد مرادف مهذب  لكلمة تابع ) سياسى وإستراتيجى للولايات المتحدة.

وتعيد هذه الحرب الإقتصادية للأذهان إستخدام العرب لسلاح البترول فى حرب أكتوبر 1973 ضد الغرب المؤيد لإسرائيل كورقة للضغط السياسى حققت لدول الأوابك العربية  ثروات إقتصادية أكبر بكثير من المكاسب السياسية المرجوة من جراء إستخدام سلاح البترول فى الصراع العربى الإسرائيلى، ولقد  قلد  أوباما  العرب وإستخدم سلاح  البترول لينعش الاقتصاد  الامريكى  بدواعى سياسية لأنه  يعلم مقدماّ فشل الأهداف السياسية المرجوة لأن الدب الروسى لم ولن لن يرضخ  له سياسيا  بأى ثمن إقتصادى حتى لو كان فادحاّ.

فضلا عن عدم قابلية  سيناريو سقوط الاتحاد السوفيتى و تفككه للتكرار بإستخدام سلاح البتىرول نفسه كما حدث فى بداية التسعينيات من القرن المنصرم لأن الصراع الأيدلوجى غير قائم  حالياّ  نظراّ  لسقوط الشيوعية كنظام سياسى و إقتصادى سقوطاّ مروعاّ بإنهيار الإتحاد السوفيتى، و مع تولى ترامب رئاسة الولايات المتحدة أشعل مجددا  فتيل الحروب التجارية  مع الصين و اليابان و الإتحاد الأوربى.
وغابت السياسة عن المضمار لأن حاكم الولايات المتحدة لا يعرف إلا  لغة المال  و تغيب عنه أبجديات السياسة.

وتطبيقاّ  لهذا المنهج على الملف الاقتصادى المصرى فإن ادارة الاقتصاد يجب أن تكون من خلال رؤية  سياسية وإجتماعية  واعية تستوعب  كل  من التداخلات الإقتصادية و الإجتماعية Socio-Economics والعوامل المؤسسية أو المرفقية institutional factors المحيطة بالاقتصاد.

 فمثلا قضية الدعم يمكن حلها  فى عدة دقائق من الناحية الاقتصادية والتكنوقراطية المجردة بإلغائه بقرار سليم اقتصادياّ وفاشل سياسياّ و اجتماعياّ، ولعل إنتفاضة يناير 1977 تعد تطبيقاّ عملياّ لذلك عندما  جرت أول محاولة لعلاج قضية الدعم علاجاّ إقتصاديا فقط.

حيث أقنعوا الرئيس السادات بأن زيادة الأسعار الناتجة عن رفع الدعم لن تتجاوز قرشاّ واحداّ لرغيف العيش و أغفلوا أن هذا القرش يمثل زيادة سعرية بنسبة 50% دفعة واحدة، لذلك فشلت  هذه المحاولة و أدت الى إحجام أى حكومة تالية عن التعامل مع ملف الدعم تعاملاّ جذرياّ الى أن تفاقم  و تعقد وبات يهدد مالية الدولة المصرية.

وثمة مثال اّخر سئ لتسييس الإقتصاد فى مصر عندما أعلن الدكتور عبد الرزاق عبد المجيد رئيس وزراء المجموعة الإقتصادية فى نهاية حكم السادات أن الموازنة المصرية حققت فائضاّ، وتبين أن الرئيس السادات  كان قد أوعز إليه بأن مصر لن تسدد الديون  المستحقة عليها، وعليه قام  د.عبد الرزاق  و بجرة  قلم بحذف مخصصات سداد أقساط الديون من  كل الموازنة العامة و ميزان المدفوعات و أعتبرها ديون معدومة، ومن ثم حققت الموازنة فائضًا وهميًا حينذاك!!.

وأيضا بالنسبة لقضية سعر الصرف فان قرار تعويم الجنية المصرى بتركه لاَليات السوق الحرة – كما أرد الليبراليون و رجال الاعمال  و صندوق النقد الدولى – جاء بنتائج  فادحة التكلفة الإقتصادية والإجتماعية  على الجميع  – لم نبرأ من تبعاتها بعد – بإستثناء أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة، لأن التضخم يعيد توزيع الثروة لصالح أصحاب حقوق الملكية والدخول المتغيرة، و يضر بأصحاب الدخول الثابتة, و ببساطة شديدة يمثل الجنية المصرى اقتصاد مختل  يعتمد إعتماداّ مفرطاّ على العالم الخارجى و لديه عجز مزمن و متزايد  فى  كل من الميزان التجارى و الموازنة  العامة و دين داخلى و خارجى مزمن ومتزايد ومتفاقم أيضاّ  ويلتهم الناتج المحلى الاجمالى.

لذلك فإن مجرد تعويم الجنيه تحت مسمى الإصلاح الاقتصادى مجرد مسكن  غير ممتد المفعول وفادح التكلفة  لعرض واحد من أمراض الاقتصاد المصرى المزمنة، فضلًا عن تجاهل هذا  القرار لأبعاده الأجتماعية الموجعة على القاعدة العريضة من المصريين من محدودى الدخل و أصحاب الدخول الثابتة اللذين إنخفضت  ثرواتهم المحدودة  و دخولهم الحقيقية فى يوم وليلة وبجرة قلم بواقع 100% .

لذلك فان خطورة التعامل الإقتصادى المجرد مع القضايا الإقتصادية أمر تدركه معاقل الليبرالية الإقتصادية ولكنها تصدره الى من لا يدركه، ولا يخفى على أى دارس للاقتصاد أن التعامل مع القضايا الإقتصادية المعقدة و المزمنة و الحساسة كالدعم  و عجز الموازنة و الدين العام  و سعر الصرف، لا يكون  اطلاقاّ بأسلوب القرارات الصادمة، بل يكون تعاملاّ وفقا لإستراتيجية  طويلة الأجل تتبنى سياسات تنفذ مرحليًا وليس بمجرد قرارات قصيرة الأجل.

فمثلا يمكن استهداف خفض عجز الموازنة بنسبة 50% خلال 10 سنوات بحد أدنى سنوى لايقل عن 5% و إستهداف استراتيجية مماثلة لتخفيض الدعم، ذلك بدون تكلفة إجتماعية و سياسية كبيرة و صادمة.

ولا يعنى تسييس الإقتصاد إهدار المبادئ الاقتصادية من أجل السياسة، بل يقصد به أخذ التكاليف السياسية و الإجتماعية للقرارات الاقتصادية  فى الإعتبار و عدم الإعتماد على القوانين الاقتصادية بشكل بحت ومجرد.

وخلافًا لرغبات رجال الأعمال  من دعاة  الليبرالية الإقتصادية المطلقة التى لم تقدم للإقتصاد المصرى وعلى مدى  أكثر من 40 سنة  منذ عام 1974  إلا تفاقم الفقر و الديون وتعميق الإختلالات الإقتصادية والإجتماعية برغم ضخامة الإمتيازات التى حصلوا عليها من إعفاءات جمركية و ضريبية و أراضى رخيصة و قروض مصرفية بعضهم لم يسددها حتى الاّن و ربما يسددها يوم القيامه خصمًا من رصيد حسناته والتى  ربما لن تكفى لسداد القسط الأول منها  بدون فوائد التأخير!!

قول غير مأثور

لماذا لا نترك الإقتصاد  للإقتصاديين ؟؟

لأن الاقتصاد لا يعنيهم  وحدهم !!

CNA– مقال بقلم،، أحمد الألفي، كاتب وخبير مصرفي