مقال .. دولة بدون بنك مركزى!

ELALFY 234
أحمد الألفى

 فى هذا العالم المنفلت ماليا ونقديا ،عالم الكوارث والأزمات المالية والمصرفية المتعاقبة،عالم اقتصاد الديون السيادية المتفاقمة، عالم يعيش معظم أغنياؤه و فقراؤه ، حكوماته وشعوبه على القروض و الائتمان والمتاجرة بالملكية ،حتى كاد الاقتراض أن يصبح  المصدر الرئيسى للتمويل و ليس المصدر الثانوى أو المساند له، هل يمكن تصور وجود دولة  فى هذا العالم  بدون بنك مركزى؟؟ حتى لو مجرد تصور نظري أو افتراضي بحت ؟

وهل حال وجود البنوك المركزية الوطنية وبنك التسويات الدولية والبنك المركزى الاوربى و صندوق النقد و البنك الدوليين دون وقوع الكوارث والازمات المالية محليا وعالميا ؟

نعم يمكن  أن توجد دولة فى هذا العالم  بدون بنك مركزى،وهذه الدولة قائمة بالفعل ومنذ أمد بعيد جدًا ،وهى دولة بنما ،حيث تعتبر دولة بنما الدولة الوحيدة فى العالم التى تخلت عن القومية النقدية ،فليس لديها بنك مركزى يراقب شئون النقد والائتمان ،لأنها ليست فى حاجة لذلك.

حيث قامت باستبدال عملتها المحلية بعملة أجنبية قوية هى الدولار الامريكى،فقد قامت بنما منذ عام 1904، باستخدام الدولار كعملة رسمية لها ،وبذلك ضمنت لاقتصاد بنما المبني على الدولار الامريكى أن يكون جزءا من أكبر كتلة لعملة  مقبولة الدفع و قابلة للتحويل عالميا  بهدف دمج نظامها المصرفي في أسواق العالم المالية القائمة على الدولار.

فقامت بنما بتغيير القوانين المصرفية  لتسمح بذلك قانونا ليكون الدولار الامريكى العملة الرسمية للدولة برغم  وجود عملة محلية لها هى البالبوا balboa.

و ترتب على ذلك غياب السلطات النقدية المركزية وعدم خضوع السوق المصرفية لرقابة أى سلطة نقدية مركزية ، وتعتمد الرقابة على اّليات الرقابة الداخلية الذاتية للمؤسسات المصرفية،ولقد أدى عدم وجود سلطة نقدية اشرافية مركزية فى بنما الى ايجاد آلية مصرفية ذاتية لامركزية تنظم عمل السوق المصرفية هناك، كبديل عن السلطة النقدية المركزية، نوجزها على النحو التالى:-

اّلية عمل النظام النقدى و المصرفى  فى بنما

يعمل النظام النقدى فى بنما بشكل لا مركزى و بدون اشراف سلطة نقدية مركزية حيث تدار السيولة النقدية بحسب معدلات العائد محليا و عالميا ، فعندما تكون معدلات العائد فى الأسواق المحلية أعلى من الأسواق الدولية يتم سحب الأموال  تلقائياّ من الأسواق الدولية و توجيهها للاستثمار فى الأسواق المحلية،والعكس صحيح تماماّ عندماّ تكون معدلات العائد فى الأسواق الدولية أعلى منها فى الأسواق المحلية.

حيث يتم سحب الأموال من الأسواق المحلية و توجيهها للاستثمارفى الأسواق الدولية بكل حرية و تلقائية , فلا قيود على حركة الأموال و تدفقها من و الى البلاد.

وحقق النظام النقدي المبني على الدولار في بنما عدة مزايا لاقتصادها هى :-

1- انعدام المخاطر الخاصة باسعار الصرف

2- عدم حدوث أزمات فى العملات الاجنبية

3- الحد من الأزمات المصرفية

4- ثبات سعر صرف الدولارأمام عملتها المحلية البالبوا balboa و تعادل دولار امريكى و احد تقريباّ

5- عدم الحاجة لوجود رقابة على الصرف الاجنبى

6-  الدمج الكامل للنظام المصرفى البنمى فى النظام المصرفى العالمى

و لكن من مساوئ النظام النقدى و المصرفى اللامركزى فى بنما ارتفاع معدلات التضخم بشكل عام بمعدل أعلى من المعدلات العالمية

مقومات اقتصاد بنما

يضاهى اقتصاد بنما اقتصاديات الدول المتقدمة اقتصاديا من حيث الاعتماد على قطاع الخدمات فى تحقيق الدخل القومى و النمو الاقتصادى، حيث يعتمد  بشكل كبير جدا على قطاع الخدمات،ويبلغ الناتج القومى لبنما  حوالى46 مليار دولار و عدد السكان 3.9 مليون نسمة و متوسط دخل الفرد حوالى 20 الف دولار امريكى.

 ومن أهم قطاعات الخدمات  لاقتصاد بنما القطاعات التالية  :-

1- السياحة

2- التامين

3- النقل البحرى و الخدمات الملاحية

4- التجارة الدولية

5- التامين

6- البنوك

7-الخدمات اللوجستية

بنما و مؤشر السعادة العالمى

تصدّرت بنما المؤشر كأسعد دولة عالميًا، وذلك للعام الثاني على التوالي، متفوقة بذلك على  الولايات المتحدة الأمريكية  التى جاءت فى المرتبة  الـ 23 من القائمة التي تضم 145 دولة مختلفة. ومن بين المعايير التى يعتمد عليها قياس مؤشر السعادة المؤشرات الاتية:-

1- متوسط نصيب الفرد من الدخل القومى

حققت بنما متوسط مرتفع لنصيب الفرد من الدخل القومى بلغ 20 الف دولار للفرد فى عام 2015

2-  مستويات الأمن و الأمان

مستويات الأمن و الأمان من أعلى المعدلات العالمية فى بنما بفضل القوانين الصارمة المطبقة هناك

3- سرعة معدلات النمو  الاقتصادى

معدل النمو  الاقتصادى فى بنما من أسرع المعدلات فى امريكا الاتينية

4-  معدل البطالة

معدل البطالة فى بنما يعد من المعدلات الأقل عالمياّ , و يبلغ 2.5%

5- مستوى الضغوط المعيشية

لا توجد ضغوط معيشية تذكر على المواطن العادى فى بنما

6-  مدى اتاحة الخدمات الصحية

الخدمات الصحية متاحة لجميع افراد الشعب دون تمييز طبقى

7- مدى اتاحة الخدمات التعليمية

الخدمات التعليمية متاحة لجميع افراد الشعب دون تمييز طبقى

8- الحريات الاقتصادية و السياسية

الحريات الاقتصادية و السياسية فى بنما مكفولة للجميع

9-  مدى وجود هدف فى الحياة

لأفراد الشعب فى بنما اهداف واضحة و محددة فى الحياة يعملون من أجل تحقيقها

10-  انتشارالابتسام و عدم العبوس

الشعب مبتسم دائما و لا توجد وجوه عابسة ولا مكشرة

لذلك لم تتصدر بنما مؤشر السعادة العالمى لعامين متتاليين  متفوقة على دول كبرى و عظمى من فراغ ,

 

ولا شك أن العامل الاقتصادى من أهم العوامل المؤثرة فى مؤشر السعادة , فلا سعادة مع الفقر و البطالة و العوز و الضيق و الاهمال و المحسوبية و الفساد.

ولكن هل يصلح نموذج بنما للتطبيق و التعميم على الدول الناشئة الأخرى التى تعانى من شظف العيش و تراجع معدلات النمو الاقتصادى و ارتفاع معدلات البطالة ، وما الى ذلك من صعوبات و أمراض اقتصادية مزمنة لا شفاء منها فى الأجلين القريب  و البعيد؟

بالتأكيد لا ، لأن تصدر بنما لمؤشر السعادة العالمى لا يمكن اسناده الى مجرد عدم وجود بنك مركزى فى البلاد و تطبيق نظام نقدى لا مركزى ، بل يمكن اسناده الى استفادة بنما من موقعها الفريد و تطبيق نظام اقتصادى و سياسى موات لامكانيات البلاد ومواردها الطبيعية.

و لو قامت دول اخرى بالغاء البنوك المركزية لديها و تبنت النموذج البنمى فى ادارة سوق النقد و البنوك ،ستكون بكل تاكيد أسوأ حالًا ، و ربما تختفى من الخريطة الجغرافية و السياسية للعالم، هذا  بالرغم من فشل البنوك المركزية فى مختلف دول العالم فى الحد من الكوارث و الأزمات المالية والمصرفية , هذا بسبب  ضلوع البنوك المركزية فى السياسة و تسييس أعمالها فى العديد من بلدان العالم برغم مزاعم الاستقلال السياسى و الاقتصادى للبنوك المركزية و تداخل الاختصاصات بين السياستين المالية و النقدية ،ولا سيما فى أوقات الكوارث و الازمات المالية، حيث يكون القرار السياسى سيد الموقف حتى فى أعتى الديموقرطيات العالمية.

CNA– مقال بقلم ،، أحمد الألفى ،الخبير المصرفى

[box type=”info” ]الكاتب .. مصرفى يعمل مديرًا بأحد البنوك المصرية .. له مؤلفات عديدة فى المجالات المصرفية والمالية [/box]

موضوعات ذات صلة