مقال| شراهة الديون وهشاشة النمو

أحمد الألفى

منذ تفجر أزمة الديون السيادية على النطاق العالمى لم تتوقف مؤسسات البحوث و الدراسات الإقتصادية عن إجراء الدراسات الإقتصادية التطبيقية لإجراء مزيد من الإختبارات عن  العلاقة بين حجم الديون السيادية ومعدل النمو الإقتصادى.

وتؤكد الدراسات التطبيقية الحديثة أن الأزمات المالية تحدث  فى معظم الأحوال تحت وطأة مستويات مفرطة من الدين العام سواء في الدول المتقدمة أو الدول الاّخذة  فى النمو أو الصاعدة ، ولكن ارتفاع الدين العام ذاته لا يخلو من المخاطر أيضا، و يؤدي الدخول في أزمة مالية بينما تعاني المالية العامة من الضعف إلى تفاقم عمق الركود الإقتصادى الذي تسببه هذه الأزمة طوال مدة استمرارها.

ويرجع السبب في ذلك إلى أن الإفتقار إلى الهوامش الوقائية للمالية العامة قبل وقوع الأزمات يشكل عائقاّ  كبيرا أمام إدارة سياسة المالية العامة على نحو مضاد للإتجاهات الإنكماشية فى الإقتصاد ، ولاسيما في إقتصادات الأسواق الصاعدة.

وتؤيد هذه النتائج ضرورة  تقوية الموزانات العمومية الحكومية في فترات الصعود الدورية مع توجيه العناية الكافية باللدورات المالية عند تقييم مركز المالية العامة لكل دولة ، وضمان المراقبة الدقيقة للدين العام من خلال الأطر التنظيمية و الرقابية الملائمة، ويشكل ذلك  أهمية خاصة في الأسواق الصاعدة، حيث شهد الرفع المالي ( الديون ) في القطاع الخاص زيادة كبيرة على مدار السنوات القليلة الماضية.فى ظل دين عام كبير و مفرط، مما يؤدى إلى تعقد الأوضاع المالية و الضغط  بشدة على معدل النمو الإقتصادى.

ولاشك أن العلاقة بين حجم الدين العام ومعدل النمو الإقتصادى هى علاقة شبه عكسية- إن جاز التعبير- لأن النمو الإقتصادى لا يتأثر بقيمة الدين العام صعوداً وهبوطاً بطريقة تلقائية  و مجردة عن عشرات العوامل الأخرى السياسية والإقتصادية والإجتماعية المؤثرة فى معدل النمو الإقتصادى ، لذلك لا يمكن الجزم بأن هذه العلاقة عكسية مؤكدة ، ولكن الدراسات الإقتصادية التى تم إجراؤها مؤخرا ركزت على العلاقة بين المستويات المرتفعة أو المفرطة للدين العام و بين معدل النمو الإقتصادى ، أو بالأحرى  ركزت هذه الدراسات على مستوى الدين العام عند مستوى  أعلى من نسبة 90% للدين العام منسوباّ إلى الناتج القومى.

ومحور العلاقة بين الدين العام المرتفع وبين معدل النمو الإقتصادى ترتكز على أن زيادة الدين العام تؤدى بطريقة تلقائية إلى إرتفاع أعباء خدمة الدين ( أقساط القروض+ الفوائد ) التى تقتطع من الموازنة سنوياً، وبالتالى يتم حجبها عن تيار الإنفاق الحكومى المباشر والذى يعد أحد المحركات الرئيسية لدفع معدل النمو الإقتصادى من جهة.

ومن جهة أخرى يؤدى الدين العام المرتفع إلى إرتفاع تكلفة الإقتراض فى الأسواق بشكل عام مما يحد من قدرة مجتمع الأعمال فى الحصول على الإئتمان والذى يعد أحد المحركات الرئيسية أيضاً لدفع معدل النمو الإقتصادى , ومن المؤكد أن يؤدى تراجع معدل النمو الإقتصادى إلى تقلص الإيرادات السيادية للدولة بسبب عدم إتساع دائرة النشاط الإقتصادى عند المستوى الذى يسمح بزيادة  إيرادات الدولة السيادية من ضرائب ورسوم وخلافه.

وعلى العكس تماماً فإن إرتفاع معدل النمو الإقتصادى لن يؤدى بطريقة تلقائية إلى إنخفاض الدين العام ، وإن كان ذلك يبدو منطقياً من الناحية النظرية ، ولكن فى الواقع يؤدى إرتفاع معدل النمو الإقتصادى إلى نشاط كبير فى سوق القروض بشكل عام ، وتتجه الحكومات إلى زيادة الإنفاق للمحافظة على معدل النمو الإقتصادى المرتفع، ويتزامن ذلك مع طلب الحكومة لمزيد من القروض، ومع هذا فإن المؤكد أن معدل النمو المرتفع لن يؤدى إلى الإفراط فى الإقتراض بطريقة تلقائية، بل إلى زيادته ولكن فى الحدود الآمنة للإقتراض، أو ما يعرف بنموذج النمو بالقروض.

وأسفرت بعض الدراسات المنشورة إلى أن إرتفاع الدين العام إلى مستوى أكبر من90% من الناتج القومى يؤدى بطريقة مباشرة إلى تراجع معدل النمو الإقتصادى بمعدل 1% ، ولكن هذه العلاقة لا تخضع لمنطق المتواليات سواء الهندسية أو الحسابية ، أى أن لا يوجد مستوى للدين العام فوق نسبة إلى 100% من الناتج القومى يؤدى إلى وصول معدل النمو الإقتصادى إلى الصفر أو  إلى وصول معدل النمو الإقتصادى للتراجع أى يكون رقماً سالباً، ويرجع ذلك إلى أن الدين العام ليس المحرك الوحيد لنمو الناتج القومى، ويفسر ذلك النتائج التى أسفرت عنها دراسات أخرى لنفس الموضوع وأسفرت عن نتائج مغايرة أو مضادة.

حيث أظهرت هذه الدراسات إرتفاع معدل النمو الإقتصادى حتى مع تجاوز الدين العام لنسبة 100% من الناتج القومى، و لكن هذا الوضع يعد بمثابة إستثناء نادر الحدوث، ويقتصر حدوثه فى الدول الأكثر تقدماّ و ذات الهياكل الإقتصادية القوية و المرنة والمتنوعة.

إذن فالعلاقة بين حجم الدين العام ومعدل النمو الإقتصادى ليست علاقة خطية ، إنما تختلف بحسب ظروف كل إقتصاد سواء كان متقدماً أو متخلفاً ، وبحسب هيكل الدين العام  والهيكل الإقتصادى للدولة ، ويعنى ذلك الدين العام وحجمه ، ومع هذا سيظل الدين العام أحد المؤثرات المهمة على نمو الناتج القومى ، فضلاَ عن كون تأثير الدين العام على معدل النمو تأثيراً  كامناً  قد يظهر بعد عدة سنوات قادمة  ولا يشترط أن يكون تأثيره  فورياً دائماً ، فهو  فيروس ذو فترة  حضانة طويلة فى  جسد الإقتصاد المريض!.

ومع هذا فإن مخاطر تجاوز الدين العام للحدود الآمنة للاقتراض تظل قائمة و قابلة للإنفجار فى أى وقت، وتنسف نموذج النمو بالقروض والديون إلى الأبد، وتزداد شدة هذا الإنفجار بزيادة نسبة الديون الخارجية  فى هيكل الدين السيادى للدولة.

قول غير مأثور

متى يهدد الدين العام الدولة ؟؟

عندما تطلب طعامها  delivery  من الخارج !!

CNA– مقال بقلم،، أحمد الألفى، الكاتب والخبير المصرفى

موضوعات ذات صلة