مقال .. نهاية الأزمة المالية في “آيسلندا”

ELALFY 234
أحمد الألفى

حدث بارز لم ينل الاهتمام العالمى، حيث  تم الإعلان مؤخرًا و رسمياً عن خروج آيسلندا أول دولة أوروبية  من الأزمة المالية العالمية التي عصفت بالولايات المتحدة و بالقارة الاوربية العجوز منذ 2008 .

فهذه الدولة الصغيرة، التي يبلغ عدد سكانها  330 ألف نسمة فقط، نجحت في تحقيق ما أخفق فيه عمالقة  أوروبا  الكبار  كفرنسا وإسبانيا و ايطاليا، و ذلك على النقيض من اليونان الأكثر اخفاقاّ  وتضرراً و من الأزمة  المالية العالمية على مستوى  كل من دول كتلة اليورو و دول العالم أجمع.

و قد بدأت جذور الأزمة المالية  في آيسلندا  مبكراّ  جداّ في عام 2001 عندما قررت تحرير القطاع المصرفي المحلى تحريرا كاملاّ ، مما فتح الباب على مصراعيه للبنوك الاجنبية للعمل فيها بدون توفر الحد الادنى من الرقابة على أعمالها مما جلب  لبنوك آيسلندا  طفرة نمو مصطنعة و كبيرة جدا  كان يُضرب بها المثل عالمياً.

غير أن هذه الطفرة  المصطنعة كانت السبب الرئيسى وراء أكبر أزمة مالية في تاريخ  آيسلندا ، و لاسيما بعد الإعلان عن إفلاس بنك  ليمان  برادرز، الذي كان يعتبر من أهم  و أكبر البنوك  العالمية العاملة فى آيسلندا محلياً.

و يترتب على ذلك أن أهم أسباب  الأزمة المالية و الاقتصادية فى آيسلندا:-

1- التحرير الكامل للقطاع المصرفى

2- سيطرة البنوك الاجنبية و العالمية على القطاع المصرفى

3- ضعف رقابة السلطات النقدية على الجهاز المصرفى

4-اهدار قواعد منح الائتمان الحصيف

5- النموالغير طبيعى للقطاع المصرفى

و تضافرت هذه العوامل الخمسة على مدى عقد من الزمان  بدأ  تحديدا فى عام 2001 ، حيث لبت ايسلندا نداء العولمة المصرفية و فتحت اسواقها للبنوك الاجنبية و العالمية التى تبارت فى تقديم القروض و بطاقات الائتمان و أغرقت الاسواق بالقروض السهلة ضاربة عرض الحائط  بكل من قواعد و أسس منح الائتمان و مؤشرات الجدارة الائتمانية فى ظل غياب تام لرقابة السلطات النقدية التى أصابها  معدل النمو السرطانى للبنوك بالعمى المؤقت ، فلم تدرك أن للنمو الطبيعى حدود  يقيدها معدل نمو الاقتصاد الكلى  و حجم الاستثمارات و دخول و انفاق الافراد و قدراتهم الشرائية.

وسرعان ما أفاقت السلطات النقدية هناك من غفوتها على أنين الازمة المالية العالمية ،حتى أدركت أن النمو الكبير فى القطاع المصرفى كان مصطنعا أثر انهيار و افلاس بنك  ليمان  برادرز أكبر البنوك العاملة فى ايسلندا  وصانع وهم النمو الكبير ،لذلك لم تسارع السلطات النقدية لنجدته و تركته يغرق و يلاطم أمواج نموه الوهمى الكبير!!

وعصفت الازمة المالية باقتصاد ايسلندا ، حيث سجلت الموازنة العامة للدولة فى عام 2008 عجزا قياسيا بلغ 13% من الناتج المحلى الاجمالى , و تحول  هذا العجز الى فائض بنسبة 2% من الناتج المحلى الاجمالى فى عام 2015 ،أى بعد 7 سنوات فقط لاغير.

ومثلما كان السقوط مدوياّ و كبيرا ، كان علاج ايسلندا لازمتها المالية نموذج و منهج مختلف عن سائر المناهج الاخرى التى انتهجتها جميع الدول الاّيلة للسقوط المالى ،والتى اتخذت من سياسات التقشف المالى والحصول على قروض جديدة لعلاج  العجز فى ميزانياتها كاليونان على سبيل المثال لا الحصر ، لكن انتهجت ايسلندا مدخل جرئ و مغاير تماما، لعلاج أزمتها المالية يتلخص فى الاجراءات التالية:-

1- ترك البنوك تواجه شبح الافلاس , فلم تسارع لانقاذ أى بنك , و بذلك و فرت الاموال الكبيرة التى كانت ستنفقها لانقاذ البنوك المتعثرة.

2- فرض رقابة صارمة على سوق النقد الاجنبى و البنوك.

3- حصلت على قرض انقاذ و حيد  بمبلغ 3 مليار دولار من صندوق النقد الدولى و لم تفرط فى الاستدانة

4-أنفقت حصيلة القرض الوحيد الذى حصلت عليه صندوق النقد الدولى فى مشروعات ذات مردود كبير مكّنها من سداد جميع ديونها في سبع سنوات.

5- لم تفرض اجراءات تقشفية تؤدى الى تباطؤ  معدل النمو الاقتصادى تأثرًا بتراجع كل من الانفاق العام و الخاص.

6- أودعت 26  مسئول مصرفي كبير فى السجن بتهمة التسبب في  الأزمة، وهي  الدولة الوحيدة التي أقدمت على هذه الخطوة في أوروبا .

و يتميز منهج ايسلندا فى معالجة الازمة المالية بانه اعتمد على مردود انتاجية الأموال المقترضة ،حيث قامت بانفاق قرض بمبلغ 3 مليار دولار دفعة واحدة على النهوض بالاقتصاد ومعالجة تداعيات الأزمة على مختلف القطاعات الإنتاجية بضخ الاموال فيها قبل أن تتدهور من جهة ،ومن جهة أخرى لم تنفق أى أموال على شراء أصول البنوك الرديئة  عديمة الانتاجية.

كما تجنبت سياسات التقشف التى تؤدى الى تراجع حاد فى معدلات الانفاق العام و الخاص ،ومن ثم ركود الاسواق  و نقص الاستثمارات اللازمة  لدفع معدل النمو الاقتصادى.

وذلك على عكس جميع دول العالم التى اتخذت سياسات خاطئة و مكررة لمعالجة تداعيات الأزمة المالية العالمية و تتلخص فى  السياسات الأتية :-

1- التقشف وخفض الانفاق العام

2- التوسع فى الاقتراض لسد عجز الموازنة

3- شراء الاصول المصرفية المتعثرة

4- تعويم البنوك الاّيلة للسقوط بأموال دافعى الضرائب

فكل هذه السياسات تسفر عن توجيه الاموال لتمويل قطاعات غير منتجة كالبنوك الاّيلة للسقوط و شراء الأصول المصرفية المتعثرة التى لن يضيف دعمها  بالأموال الضخمة الى التيار السلعى أى شئ ، كما لن تضيف سياسات علاج الديون بالديون لسداد كل من عجز الموازنة و الديون المستحقة الدفع للناتج القومى الا أعباء خدمتها الكبيرة و المتزايدة.

وتبقى نقطة أخيرة تنفرد بها ايسلندا وهى المحاكمة الجنائية للمسئولين المصرفيين الذين تسببوا فى صناعة الازمة المالية باهدار قواعد الائتمان و التوظيف المالى الحصيف, بينما فشل الغرب فى  تقييد حوافز و أرباح رجال البنوك  الفلكية كمكافأة  لهم على الفشل  و التلاعب بالأصول المالية لمجتمعاتهم !!

ولعل نجاح “ايسلندا”  فى الخروج من الأزمة المالية يكون بمثابة درس للدول التى ما زالت تئن من تبعات الأزمة المالية العالمية لتحذوا حذوها بتطبيق الأساليب الأكثر ملائمة لاقتصاياتها و تبتعد عن القوالب  الجامدة التى تفرضها مؤسسات التمويل الدولية على الدول المدينة و التى لن تؤد الا لمزيد من الانهيار المالى ،و لعل تجربة اليونان خير مثال على ذلك .

كما  تجدر بنا الاشارة الى  أن فرض ايسلندا  لرقابة صارمة على كل من سوق النقد الاجنبى و البنوك , كان بمثابة سياجاّ  واقياّ  لاقتصادها حد من تسرب مواردها من النقد الاجنبى  للخارج من جهة ،ومن جهة اخرى حد من الانفلات فى منح القروض الغير منتجة.

و يعلمنا التاريخ الاقتصادى أن كل من سوق النقد الاجنبى و البنوك و البورصة تعتبر البوابات الفسيحة لصناعة الأزمات المالية و الأنهيارات الاقتصادية الكبرى اذا ما تركت بدون رقابة فعالة من سلطات نقدية و مالية قوية و قادرة , حيث نشأت الأزمة المالية  في آيسلندا عبر بوابة البنوك و بسبب التحرير الكامل للقطاع المصرفى والذى أدى الى سيطرة البنوك الاجنبية و العالمية على القطاع المصرفى مع ضعف رقابة السلطات النقدية على الجهاز المصرفى والذى أسفرعن اهدار قواعد منح الائتمان الحصيف و تبديد الاصول المالية و المصرفية فى عمليات اقراض فاشلة و رديئة.

لذلك فان تدخل السلطات النقدية المصرية فى سوق الصرف  – و الذى تأخر كثيرًا جدًا – للحد من اهدار موارد النقد الاجنبى فى الاستيراد العشوائى أمر محمود و له أرضية  و خلفية عالمية من قلاع الرأسمالية، و ليس اجراءًا  اشتراكيًا  كما يحاول أباطرة الاستيراد و السوق السوداء تصويره  للمحافظة على أرباحهم الكبيرة على حساب خراب الاقتصاد.

CNA– مقال بقلم ،،أحمد الألفى (خبير مصرفى مصرى)

[box type=”info” ]الكاتب .. مصرفى يعمل مديرًا بأحد البنوك المصرية .. له مؤلفات عديدة فى المجالات المصرفية والمالية [/box]

موضوعات ذات صلة