مقال .. هل حقًا العالم مقبل على أزمة مالية عالمية جديدة ؟

elalfy-300x200
أحمد الألفى

سنحاول الاجابة على هذا السؤال بعيدا عن  حالات التشاؤم والتفاؤل التى لا مجال لها فى علم الاقتصاد الذى لا يعترف بالعواطف، ومن خلال  قراءة  للمؤشرات الاقتصادية و السياسية المحيطة  بأجواء الاقتصاد العالمى، حيث توجد عدة مؤشرات اقتصادية و سياسية  تفرض نفسها بقوة على  الساحة العالمية، حيث تتداخل هذه المؤشرات معاّ بحكم علاقة الارتباط  الوثيق بين السياسة والاقتصاد منذرة بحدوث  أزمة مالية عالمية جديدة.

ومن بين هذه المؤشرات القلاقل والصراعات السياسية فى الشرق الأوسط  وزرع تنظيم داعش المتطرف فى المنطقة و ما يثيره من قلاقل فى اليمن و العراق و سوريا و ليبيا من جهة ، ومن جهة أخرى اطلاق يد ايران فى المنطقة العربية من قبل الغرب فى توقيت مريب ومتزامن مع ابرام اتفاق نووى يحررها من العقوبات الدولية و يمنحها  أموالها المجمدة و التى تقدر بحوالى 100 مليار دولار.

وقد أثر ذلك على ارتفاع ميزانيات الدفاع والأمن فى دول الخليج العربى و منطقة الشرق الاوسط بشكل جنونى و حجبت  قيمة الزيادة فى الانفاق على السلاح عن الاستثمار المحلى فى هذه الدول مع ارتفاع العجز فى  موازناتها  حتى فى الدول البترولية الغنية التى بدأت تفرض عدة اجراءات تقشفية غير مسبوقة على مواطنيها ، وبدأ بعضها يقترض و/ أو يسحب من احتياطياته النقدية بالعملات الأجنبية لتمويل عجز الموازنة للعام المالى الحالى ، و فى ظل تكهنات بعدم تعافى سوق البترول فى المستقبل القريب ، و ربما البعيد أيضاّ .

ويتداخل  ذلك مع حصار الولايات المتحدة  السياسى والاقتصادى للاقتصاد الروسى ليفقد الروبل الروسى حوالى ثلث قيمته برغم محاولات روسيا المستميتة لانقاذه و تنهار أسعار النفط  العالمية و يفقد  سعر برميل  البترول أكثر  50% من قيمته فى عام  واحد ، و تفشل دول الاوبك  فى خفض الانتاج للمحافظه على سعره و تتخذ قرارات ضد مصالحها الاقتصادية رضوخاّ للاملاءات السياسية الولايات المتحدة  التى تغرق الأسواق العالمية بالبترول الصخرى.

وتزامن ذلك مع انفجار أزمة الديون اليونانية فى كتلة اليورو منذرة بتكرار الانفجارات المالية داخل الاتحاد الاوربى لدول  خنازير كتلة اليورو أو  ال   4pigs  وهى اختصار للأحرف الاربعة الاولى باللغة الانجليزية ( PORTUGAL- IRELAND – GREECE – SPAIN ) للدول الأربعة المثقلة بالديون السيادية ، بخلاف  باقى دول كتلة اليورو المتخمة أيضا بالديون السيادية ، و لكن بدرجات أقل حده  من دول ال   4pigs ، و باستثناء المانيا  صاحبة الاقتصاد الأقوى داخل الكتلة طالت  أزمة الديون السيادية فرنسا و ايطاليا ، ولم تفلح خطط الانقاذ المالية الاوربية فى انقاذ هذه الدول المتعثرة منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية طبعة 2008  برغم حزم المساعدات المالية  السخية  التى قدمها الاتحاد الاوربى لهذه الدول الاّيلة للسقوط المالى مما ينذر بانهيار مروع لكتلة اليورو برمتها خلال السنوات القليلة القادمة.

وتحت وطأة الديون السيادية بمنطقة اليورو ،جاء زلازال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربى مدوياّ و منذراّ ببداية النهاية لعصر العولمة الاقتصادية التى قضت على الخصوصية الاقتصادية للدول و للشعوب ، حيث باتت الانظمة الاقتصادية أنظمة مستنسخة  من نموذج اقتصادى واحد أو مسخ اقتصادى يفرض على الدول و على الشعوب فرضاّ ، ولا يشبع و لا يلبى الاحتياجات الاقتصادية و الاجتماعية  للشعوب بعدالة و فاعلية.

حيث أفرزت العولمة الاقتصادية اختلالات  اقتصادية و اجتماعية  و سياسية جسيمة تجسدت فى  التفاوت الشاسع و المتزايد فى توزيع الثروات ، و تركز و احتكار الثروات ، والتفاوت  الشاسع فى توزيع الدخول ،و تعاظم عائد رأس المال – كعامل من عوامل – على حساب عوامل الانتاج الأخرى ، و لا سيما عنصر العمل ، و التفسخ الاجتماعى و القومى ، وظاهرة  نمو  أحزاب اليمين المتطرف ، و تنامى الظلم الاجتماعى و الاقتصادى، و تنامى ظاهرة هجرة العمالة، و اتساع دائرة الفقر و العوز ، و نمو ظاهرة الأرهاب و التطرف الفكرى و الدينى و الدموى.

ولعل من أخطر تبعات عصر العولمة الاقتصادية  تسليع البشر ،أى التعامل معهم كسلعة وفقاّ لقانون العرض و الطلب، و ليس ككائنات بشرية لها  حد أدنى من الحاجات الاقتصادية و الانسانية الجديرة بالاشباع  طبقاّ  لميثاق الأمم المتحدة  العالمى لحقوق الانسان  و الذى مازال محفوظاّ فى أدراج المنظمة الدولية المنيفة.

ويأتى ذلك مع وجود مؤشرات  قوية عن تراجع معدل النمو للاقتصاد الصينى لأقل من 7% ، ذلك الاقتصاد  صاحب النمو الاقتصادى الأعلى عالميا  بمعدل بلغ 11% -13% سنوياّ ،حيث تكمن أهمية  الاقتصاد الصيني  فى كونه ثاني أكبر اقتصاد في العالم بحجم 10 ترليون دولاربعد الاقتصاد الامريكى ، وبصرف النظر عن الحجم  يعد ألة  دفع  وقاطرة رئيسية  للنمو الاقتصادي العالمى  حيث يؤثر فى أسعار السلع الرئيسية مثل النفط والغاز الطبيعي والمعادن التي تدخل في الصناعات الاسترتيجية ، لذلك   فان أية مؤشرات سالبة  تطرأ على الاقتصاد الصيني تؤدى الى تراجع  مباشر لمعدل النمو الاقتصادي العالمى.

كما تمتلك الصين أكبر رصيد من الاحتياطيات النقدية من العملات الأجنبية قى  العالم  يقدر بحولى 4 تريليون دولار و 70% من هذا الاحتياطي الصيني مستثمر في الدولار الأميركي وفى الأسواق الأميركية ، ومن ثم فان علاقات التشابك  الاقتصادى و المالى بين أكبر اقتصادين فى العالم تؤثرعلى اقتصاد العالم برمته فى حالة تراجع اقتصاد أى منهما ،  فضلا عن انهيار البورصة الصينية التي شهدت أسواقها حالة من الذعر الشديد أدت إلى تكبدها  خسائر فادحة بلغت 3.2 تريليون دولار خلال أقل من شهر، وفقدان الأسهم  المتداولة بها نحو 30% من قيمتها  السوقية، مما أثار مخاوف المستثمرين و زعزع استقرار النظام المالي العالمي برمته، وجاء هذا الانهيار للبورصة الصينية متزامنا مع  اندلاع أزمة الديون اليونانية السيادية.

وأشعلت الصين  مجددًا  فتيل حرب العملات العالمية  بتخفيض  تاريخى وغير مسبوق لقيمة اليوان الصينى بنسبة 4%  ، حيث  كانت الصين تخفض قيمة عملتها من حين لاّخر بما لا يجاوز 2% ، وأقدمت على ذلك  لرفع معدل نمو الاقتصاد الصينى لأعلى من 7% مدفوعا بنمو قطاع التجارة الدولية اعتمادًا على تنافسية  صادراتها  وعدم  تنافسية وارداتها واعمالا  للتأثير المزدوج لسياسة تخفيض القيمة الخارجية للعملة ، وذلك بعد ظهور مؤشرات قوية تكشف عن تراجع معدل النمو الاقتصادى فى الصين لاقل من 7%  لعام 2015 .

كما تجتاح اليابان  ثالث أكبر اقتصاد فى العالم أيضا أزمة ديون سيادية منذ عدة سنوات أدت الى ركود الاقتصاد اليابانى و الى عدم احرازه لأى معدلات  نمو موجبة لعدة سنوات ، الا أنه قد بدأ فى  النقاهة الاقتصادية مسجلا معدل نمو طفيف جدا يقدر بحوالى نصف فى المائة هذا العام ، وبرغم بلوغ الدين العام اليابانى 250% من الناتج القومى الا أن الحكومة اليابانية مازالت مستمرة  فى ضخ الأموال فى اطار خطط  التحفيز والتيسير النقدى التى تتبناها  منذ  عدة سنوات لتحفيز معدل النمو الاقتصادى اليابانى ، بيد أن ضخامة الاموال التى تم ضخها فى الاقتصاد اليابانى خلال السنوات القليلة الماضية لم تؤد الى التحفيز المطلوب  و لم تخرج الاقتصاد من دائرة الركود بل أدت الى  مضاعفة قيمة الدين العام اليابانى.

كما أثبت فشل نظرية النمو الاصطناعى التى تتبناها البنوك المركزية باغراق الأسواق بالأموال والسيولة الكبيرة لدفع  معدل النمو الاقتصادى.

ومن اليابان شرقا الى الولايات المتحدة غربا غرق الاقتصاد الامريكى فى الديون و بلغ الدين العام الامريكى 17 تريليون دولار ملتهما الناتج القومى بالكامل و مجبرا الحكومة الامريكية الى رفع سقف الاقتراض العام عدة مرات لتتمكن من دفع المرتبات ، وكانت الولايات المتحدة قد دخلت سباق الاقتراض بعد احداث 11 سبتمير 2001 بالتوسع فى الاقتراض للانفاق على مغامراتها العسكرية العالمية ، ثم بفاتورة انقاذها للاقتصاد الامريكى بعد الازمة المالية العالمية طبعة 2008  اثر انهيار البنوك الامريكية و قطاع العقارات ، و لاشك أن تعثر الاقتصاد الامريكي  أكبر اقتصاد في العالم و أكبر سوق في العالم حيث يستهلك الامريكان وحدهم  ثلث الانتاج العالمى سوف يؤدى الى تعثر الاقتصاد العالمى برمته.

وعلى الصعيد العالمى ، غرق الاقتصاد العالمى برمته فى توريق الديون، وأسعار الفائدة السلبية  المصطنعة و التى تقل كثيراّ عن معدلات التضخم السارية،و أصبحت تمثل ضريبة  مستترة على حائزى السندات السيادية، لأن فى ظل معدلات التضخم المرتفعة تعاد توزيع الثروات  تدريجياّ  لصالح المقترضين و على حساب المدخرين،  مما يشعل الاحتقان الاجتماعى والسياسى ويعيد للأذهان  كابوس الكساد العظيم ، حيث يركض الاقتصاد العالمى اليوم  فى حلقة مفرغة من  سياسات التيسير الكمى quantitative ease، حيث يضغط الاقتصاد الضعيف على صناع السياسات  المالية و النقدية بشدة ، و يتمخض ذلك عن انتهاج سياسات  مالية  و نقدية  توسعية  (تيسير كمى ).

وتكمن مخاطر هذه السياسات التوسعية فى أنها غالباّ ما تكون مصحوبة بتوسع كبير فى  كل من الانفاق العام و الديون السيادية و الائتمان المصرفى ، وهى متغيرات اقتصادية  يتعين أن تكون فى مستوى تحمل الناتج القومى ، فاذا تجاوزت هذا المستوى، ستقود الاقتصاد الى كارثة مروعة بلا شك.

و بفضل التقدم  المذهل فى كل من وسائل و أدوات الاتصال عن بعد و تكنولوجيا المعلومات المالية و حرية انتقال رأس المال عبر الحدود، تنامت ظاهرة الأموال الساخنة  hot money التى تجوب أسواق و بورصات العالم المالية و غير المالية   سعياّ وراء الربح السريع – عفواّ الفائق السرعة – مما جعل أسواق المال أقرب الى موائد القمار المالى وأبعد  كثيراّ عن  وظائفها الأساسية  كأسواق لتجميع المدخرات و رؤوس الاموال الصغيرة  ،فضلاّ عن تزايد معاملات عقود المستقبليات و الخيارات و المشتقات المالية على النطاق العالمى ، وهذه الأدوات المالية ، هى الشر المالى بعينه ، فهى أقرب  ما تكون الى أوراق اليانصيب  ، و أبعد ما تكون الى عقود المعاملات المالية التى تلزم طرفى المعاملة المالية بحقوق و التزامات متكافئة ، و تشكل هذه الأموال الساخنة عبئاّ كبيراّ جداّ على الاقتصاد العينى  physical economy المنتج.

كما كشف التحقيق الصحفى الاستقصائى المعروف اعلامياّ بأسم أوراق بنما  panama papers النقاب عن حجم الفساد المالى  و التراكمى الكبير لرجال السياسة  و عائلاتهم على النطاق العالمى مستخدمين فى ذلك  بنوك غسل الأموال و بؤر الفساد المالى العالمى المعروفة بأسم الملاذات الاّمنة و التى تتخذ من جزر الكايمان و البحر الكاريبى مقارات اّمنة لها برعاية أجهزة الاستخبارات العالمية التى سمحت بوجود هذه المؤسسات المالية المشبوهة لتمارس أعمالها القذرة بكل حرية بدون رقابة من أى سلطة نقدية مركزية ، و لتكون ملاذا اّمنا لجميع الأموال القذرة لكبار لصوص العالم ، حيث بات الفساد  المالى السياسيين عبئاّ كبيراّ جداّ على الاقتصاد العالمى تدفع الشعوب الكادحة  فاتورته  خالصة الضرائب و الرسوم مقدماّ.

وتكشف هذه المؤشرات بوضوح عن أن الافراط فى الديون السيادية هو القاسم الأعظم المشترك للدول الكبرى ذات التاثير الكبير فى الاقتصاد العالمى من جهة ، ومن جهة أخرى لم تعد الدول النامية أو الأقل تطوراّ هى التى تقترض وتذهب لنوادى الديون الدولية كنادى لندن و نادى باريس،بل انضمت اليها الدول المتقدمة والغنية  أيضا حتى بات اقتراض الحكومات الغنية و الفقيرة معًا بمثابة وباء مالى خطير يتعين مكافحته و الحد من انتشاره على النطاق العالمى ولا سيما فى ظل  تضخم القطاع المالى أوالاقتصاد الورقى العالمى و تجاوزه حجم الاقتصاد الحقيقى العينى أو المادى بعدة أضعاف مما يشكل عبئاّ مالياّ على الاقتصاد العينى و يتيح الأموال السهلة و الوفيرة لاقراض كل من الحكومات والشركات والافراد بقروض عديمة الانتاجية الاقتصادية وباهدار كامل مع سبق الاصرار والترصد لقواعد ومعايير منح الائتمان الحصيف برعاية العولمة المالية والمصرفية التى أغرقت شعوب العالم الغنية والفقيرة معاّ  فى مستنقع الديون الشخصية و السيادية.

لذلك و فى اعتقادى المتواضع  فان العالم ليس ببعيد عن أزمة –  ومن يدرى ربما كارثة – مالية عالمية  جديدة  ما لم يتخل عن جنون الاقتراض وعلاج الديون بالديون وتمويل الحروب الاقتصادية والصراعات السياسية بديون تقبضها وتنفقها الحكومات الاّن وتسددها الشعوب وحدها فى المستقبل.

CNA– مقال بقلم ،، أحمد الألفى، الخبير المصرفى والمدير بأحد البنوك

موضوعات ذات صلة