البصمة الكربونية للإنترنت… القصة الخفية وراء كل نقرة في فضاء إلكتروني لا يهدأ

في عالم رقمي يتسع وبصمة بيئية تتضخم في الظل لم يعد الإنترنت مجرد وسيلة للتواصل أو منصة للترفيه بل أصبح صناعة ضخمة تعمل في صمت وتستهلك طاقة هائلة وتترك أثرًا بيئيًا يتزايد عامًا بعد عام، ومع كل دقيقة إضافية تُقضى يتزايد السؤال: ما الثمن البيئي الذي ندفعه مقابل هذا الحضور الرقمي الطاغي؟

عالم تكنولوجي لا يتوقف

في أماكن بعيدة عن أعين المستخدمين؛ تقف مبانٍ صامتة تشبه مخازن عملاقة لكنها في الداخل تضجّ بالحياة حيث الخوادم التي تعمل بلا توقف والمراوح التي تدور كأنها قلوب معدنية ودرجات الحرارة التي تُراقَب بدقة شديدة. في مراكز البيانات التي تُعد القلب الحقيقي للإنترنت والمستهلك الأول لطاقة تكفي لتشغيل مدن كاملة.

يقول المهندس الفنلندي يوهانس كاريلا المشرف على أحد أكبر مراكز البيانات في أوروبا: “إن جزءًا من الفيديو الذي يشاهده مستخدم مواقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” أو “تيك توك” قد يمر عبر خوادم تعمل في هلسنكي. مضيفاً أن التحدي الأكبر ليس تشغيل الخوادم بل تبريدها وأن الحرارة الناتجة عنها يمكن أن تذيب مسطحات من الثلج لولا أن فنلندا بدأت في تحويل هذه الحرارة إلى مصدر لتدفئة المنازل.

وبحسب تقرير صادر عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) في الولايات المتحدة الأمريكية؛ تؤدي الأنشطة الرقمية مثل مشاهدة المسلسلات والأفلام على منصات الإنترنت وإرسال البريد الإلكتروني إلى انبعاثات كربونية بكميات متفاوتة تصل سنوياً إلى 1,7 مليار طن تمثل 3,7% من إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، حيث تتسبب كل عملية بحث في انبعاث يقدر بنحو 1,45 جرام، فيما تؤدي مشاهدة فيديو بجودة عالية إلى انبعاث كربوني بنحو 441 جراماً.

ويكشف التقرير أن إرسال بريد إلكتروني واحد بجودة قياسية يكلف الكوكب انبعاثا كربونياً بنحو 4 جرامات، وأن الفيديو كونفرانس يؤدي إلى انبعاث كربوني بنحو 157 جراماً في الساعة، وأشار أيضاً إلى أن استهلاك قطاع العملات المشفرة للطاقة في كل عملية بيتكوين واحدة يستهلك نحو 819 كيلو واط/ ساعة من الطاقة، وأن عملية البيتكوين الواحدة تعادل استهلاك منزل للكهرباء في 6 شهور.

الذكاء الاصطناعي… قوة ترفع حرارة الكوكب

مع صعود الذكاء الاصطناعي إلى الواجهة؛ أصبحت البنية التحتية الرقمية تواجه ضغطًا غير مسبوق حيث النماذج الضخمة التي تعتمد عليها الشركات العالمية تحتاج إلى عمليات تدريب تستمر لأسابيع وتستهلك طاقة تعادل استهلاك مدن صغيرة.

فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد خوارزميات بل مصانع رقمية تعمل بلا توقف وكلما أصبح أذكى أصبح أكثر جوعًا للطاقة إذ تشير دراسات حديثة إلى أن تدريب نموذج واحد من نماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة قد ينتج انبعاثات تعادل ما تنتجه خمس سيارات طوال عمرها.

في مصر بصمة بيئية تتضخم

في مصر كما في العالم؛ يؤدي تجاوز عدد مستخدمي الإنترنت في عام 2025م إلى نحو 96.3 مليون مستخدم بنسبة انتشار تتجاوز 81% من السكان بحسب تقارير صادرة عن  Datar portal وStatista إلى تشكيل بصمة بيئية لا يراها أحد تتضخم مع كل نقرة، وكل بثّ، وكل رسالة تُرسل عبر فضاء لا يهدأ.

وبنظرة أكثر عمقاً يقضي مستخدم الإنترنت في مصر 7 ساعات و48 دقيقة يوميًا على الإنترنت في المتوسط منها ساعتان و6 دقائق على الشبكات الاجتماعية دون أن يشعر أن هذا الوقت المتدفق يمر عبر منظومة ضخمة من الخوادم ومراكز البيانات التي تعمل بلا توقف.

ومع وجود أكثر من 50,7 مليون مستخدم في مصر للشبكات الاجتماعية في 2025م وفق ما نقله تقرير Datar portal يظل البث المرئي هو النشاط الأكثر استهلاكًا للبيانات وذلك من التعليم إلى الترفيه إلى العمل كما أصبح الفيديو جزءًا من يوم كل شخص لكن هذا البث خصوصًا بدقة 4K يستهلك طاقة هائلة بسبب حجم البيانات المتداولة، حيث تشير الدراسات إلى أن ساعة واحدة من الفيديو عالي الجودة تنتج انبعاثات تعادل تشغيل مروحة كهربائية لمدة 15 ساعة، ومع هذا الحجم الهائل من الاستخدام يصبح التأثير البيئي مضاعفًا خاصة مع استمرار ارتفاع استهلاك البيانات في مصر عامًا بعد عام.

وعلى ذات الجانب يساهم سلوك المستخدمين في لعب دور مهم في تضخم البصمة الكربونية؛ ففي 2025 تزايدت اهتمامات المصريين على الإنترنت حيث كانت ثلثا عمليات البحث على جوجل مرتبطة بـالدولار والذهب بينما تصدرت مواقع مثل اليوم السابع وفي الجول ويلا كورة قائمة المواقع المصرية الأكثر زيارة إلى جانب منصات عالمية مثل فيسبوك ويوتيوب وتيك توك.

مصر مركز عالمي يواجه تحديات محلية

في الوقت الذي تمتلك فيه مصر موقعاً استراتيجياً نادراً على خريطة العالم الرقمية بمرور نحو 13 كابلًا بحريًا يربط بين آسيا وأوروبا من أراضيها؛ مما يجعلها مركزًا محوريًا لحركة البيانات؛ تأتي تحديات كبيرة أبرزها الضغط المتزايد على الشبكة الكهربائية، حيث يقول لمهندس محمد الدسوقي خبير البنية التحتية الرقمية: “إن مصر تمتلك فرصة فريدة لتصبح مركزًا عالميًا للبيانات لكن ذلك يتطلب تحولًا جذريًا نحو الطاقة المتجددة لأن الاعتماد على الكهرباء التقليدية لم يعد خيارًا مستدامًا”، وتتقاطع معه آراء خبراء ومتخصصين حول ضرورة ربط التحول الرقمي بالاستدامة البيئية ومواءمة التحول الرقمي مع معايير الاتحاد الدولي للاتصالات ITU ورؤية مصر 2030 عبر دمج التكنولوجيا الخضراء في البنية التحتية.

وفي هذا السياق يشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن “المبادرة الوطنية للمشروعات الخضراء الذكية” في مصر جذبت أكثر من 12,000 مشروع واختارت 36 مشروعًا رائدًا ودربت أكثر من 5,500 شخص على مبادئ الاستدامة مما يعكس اهتمامًا متزايدًا داخل المجتمع المصري بدمج التكنولوجيا مع حماية البيئة، فيما تؤكد دراسات أكاديمية منشورة في المجلة العلمية للاقتصاد والتجارة أن التحول الرقمي أصبح عنصرًا أساسيًا في تحقيق التنمية المستدامة وأن دمج التكنولوجيا في القطاعات الاقتصادية المختلفة يساهم في تحسين الأداء البيئي وتقليل الهدر.

الشركات في سباق نحو الاستدامة

يشهد قطاع الاتصالات والتكنولوجيا في مصر تحولات واضحة نحو الاستدامة؛ مدعومة بأرقام تعكس حجم الجهود المبذولة من الجهات الحكومية والشركات العامة في مجالي الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات لإدارة الانبعاثات الكربونية، حيث اتجهت شركة أورنج مصر للحصول على شهادة ISO 14064-1:2018 كأول مشغل اتصالات يسعى للتحقق من البصمة الكربونية، وتضيفها إلى 4 شهادات أيزو أخرى حصلت عليها الشركة في مجالات ترشيد الطاقة وإدارة البيئة.

وأعلنت فودافون مصر عن تشغيل أكثر من 1,300 برج اتصالات بالطاقة الشمسية في المناطق النائية ضمن خطة تستهدف خفض استهلاك الطاقة التقليدية بنسبة 20%، وفي الوقت نفسه تعمل اتصالات مصر على تطوير مراكز بيانات عالية الكفاءة ضمن توجهاتها لخفض استهلاك الطاقة في بعض مواقعها بنسبة وصلت إلى 18% وذلك بعد تطبيق نظم تبريد متقدمة وتقنيات مراقبة ذكية.

وفي المقابل، أصدرت الشركة المصرية للاتصالات أول تقرير رسمي للبصمة الكربونية يغطي عامي 2021–2022 وهو التقرير الأول من نوعه الذي يشمل قياسًا لانبعاثات الشركة عبر أكثر من 1,000 موقع شبكات ومراكز بيانات على مستوى الجمهورية.

وعلى مستوى الابتكار المحلي ظهرت شركات تكنولوجيا ناشئة تقدم حلولًا لخفض استهلاك الطاقة في الأبراج ومراكز البيانات من بينها شركات تعمل على أنظمة مراقبة استهلاك الكهرباء بدقة تصل إلى ±2%، وأخرى توفر حلولًا تعتمد على الطاقة الشمسية في أكثر من 40 موقعًا في محافظات الصعيد والدلتا.

مواجهات لحماية الكوكب

يدفع التوسع في التحول الرقمي بضرورة النظر في تأثيرات البصمة الكربونية كجزء أساسي من معادلة الاستدامة، فالتكنولوجيا ليست عدوًا للبيئة لكنها تحتاج إلى إدارة واعية تضمن توازنًا بين التقدم وحماية الكوكب حتى لا يتحول المستقبل الرقمي إلى عبء جديد على عالم يواجه أصلًا تحديات لا تنتهي.

ولمواجهة التداعيات البيئية المتفاقمة للثورة التكنولوجية؛ يتطلب الأمر تبنّي رؤية استراتيجية متكاملة لا تقتصر على تحسين كفاءة الطاقة فحسب بل يمتد ليشمل إعادة تشكيل البنية التحتية الرقمية وفق معايير صديقة للبيئة. ويبدأ ذلك بالاعتماد المتزايد على مصادر الطاقة المتجددة، وتطوير تقنيات تبريد متقدمة تقلل الهدر الحراري، إلى جانب تحديث الأنظمة التقليدية لتصبح أكثر توافقًا مع متطلبات المستقبل الأخضر.

CNA- تحقيق- مصطفى أبوجبل

موضوعات ذات صلة
أخبار كاش