“جهاز حماية المنافسة” يكشف الأسباب الحقيقية لأزمة السكر

mona-elgarf-55
د.منى الجرف ،رئيس جهاز حماية المنافسة

قال جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية ،اليوم الخميس، إن الأسابيع الأخيرة شهدت حالة من الغليان يعيشها المواطن المصري على إثر نقص السكر بالأسواق، والتلاعب بأسعار سلعة لا يمكن للمواطن المصري الاستغناء عنها.

وأفاد الجهاز :”تعددت التفسيرات لهذه الأزمة وتكاثرت التساؤلات؛ هل ترجع هذه الأزمة إلى ما يشهده السوق من احتكار، أم نتيجة لممارسات احتكارية تقوم بها إحدى الشركات المنتجة للسكر أو المستوردة له من الخارج، أم ترجع إلى دور مستغلي الفرص وأصحاب المطامع، أم يمكن تفسير هذه الأزمة ببعض هذه الأسباب مجتمعة أو لكلها في وقتٍ واحدٍ”.

وقد دفع هذا الوضع القائمين على جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية إلى المبادرة بدراسة سوق السكر المحلي للتأكد من الأسباب وراء هذه الأزمة، وإذا كانت ترجع إلى ممارسات احتكارية نص عليها قانون حماية المنافسة وجرمها، ام لا.

أولًا: إذا كان التعريف العلمي للاحتكار هو وجود مُنتِج وحيد للسلعة في السوق يستطيع التحكم في المعروض منها أو في سعرها، كما يمكن له منع غيره من المنافسين من الدخول إلى السوق، فإن الدراسة التي قام بها الجهاز لسوق السكر المصري تجزم أنه لا يوجد احتكار في هذا السوق؛ حيث يتم إنتاج السكر في مصر من مصدرين رئيسين، هما: قصب السكر والبنجر، وتقوم شركة السكر والصناعات التكاملية بإنتاج كامل إنتاج السكر من القصب، فضلًا عن سبع (7) شركات لإنتاج السكر من البنجر، وهي: شركة الدلتا، وأبو قرقاص، والفيوم، والنوبارية، والدقهلية، وهي شركات تابعة للدولة، فضلًا عن شركتي النيل والمصرية المتحدة اللتان تمثلا القطاع الخاص.

وقد بلغ الإنتاج المحلي للسكر 2.4 مليون طن عام 2015/2016، وهو ما يكفي لسد 77% فقط من احتياجات الاستهلاك المحلي، بينما يتم سد فجوة العرض، والتي تمثل نحو 700 ألف طن من خلال الاستيراد من الخارج، والذي يمثل 23% من إجمالي الاستهلاك المحلي.

إذن النتيجة الأولى التي توصلت إليها الدراسة هي انتفاء احتكار السكر بالمعنى العلمي لكلمة احتكار، ووجود أكثر من مُنتِج للسلعة سواء شركات تابعة للدولة أم شركات تابعة للقطاع الخاص، فضلًا عن فتح الباب للاستيراد.

ثانيًا: انتقل الجهاز إلى فحص ما إذا كانت هناك إحدى الشركات المنتجة للسكر أو المستوردة له تتمتع بوضع مهيمن أو مسيطر بالسوق على نحو ما جاء تعريفه بقانون حماية المنافسة؛ حيث يتحقق هذا الوضع من خلال توافر ثلاثة (3) شروط مجتمعة على النحو التالي: تجاوز إنتاج الشركة 25% من الاستهلاك المحلي، وأن تكون لهذه الشركة بمفردها القدرة على تحديد الكمية المعروضة أو سعر السكر بالسوق المحلي، وفي الوقت ذاته لا تستطيع أية شركة بالسوق أن تمنع هذا التأثير للشركة المهيمنة أو المسيطرة.

وعلى الرغم من أن الأرقام المتاحة تعكس استحواذ شركة السكر والصناعات التكاملية على نصيب يفوق نسبة الـ 25% من الاستهلاك المحلي للسكر، إلا أنه لا يمكن القول بهيمنة هذه الشركة وسيطرتها في ظل تدخل الحكومة في تحديد أسعار السكر من جهة وتوزيعه من جهة أخرى، فضلًا عن عدم قيام هذه الشركة بأيٍّ من الممارسات الاحتكارية المنصوص عليها بالقانون على نحوٍ حصريٍّ.

ثالثًا: وفي ظل غياب الممارسات الاحتكارية من الشركة المهيمنة، كان لا بُدَّ من التساؤل عن الأسباب المسئولة عن ارتفاع أسعار السكر، وهل جاء هذا الارتفاع إلى تخلِّي المستوردين عن إشباع حاجة السوق المحلي، على النحو الذى أثير أم لا.

وقد انتهت دراسة الجهاز إلى أن ارتفاع أسعار السكر خلال الأسابيع الأخيرة يرجع لعدد من العوامل؛ جاء من أهمها: ارتفاع تكلفة الاستيراد، في ظل عدم توافر النقد الأجنبي بالأسعار الرسمية من جهة، وارتفاع قيمة سعر الصرف بالسوق الموازية من جهة أخرى، فضلًا عن قيام البنك المركزي بتعديل شروط التسهيلات/الاعتمادات البنكية للمستوردين؛ ومن ثم فإن التاجر عليه أن يدفع قيمة المشتريات دفعة واحدة، هذا إلى جانب ما تسجله أسعار السكر العالمية من ارتفاعات تراوحت ما بين 42% إلى 50% زيادة عن سعر السكر في العام السابق.

أضف إلى ذلك قيام الحكومة بشراء إنتاج السكر المحلي (سواء من قصب السكر أو البنجر) من الشركات التابعة للدولة كافة، والتي تستحوذ على ما يقرب من 88% من الإنتاج المحلي لتقوم هي بتوزيعها على بقَّالي التموين والجمعيات الاستهلاكية وغيرها من المستفيدين وصولًا إلى كافة منافذ التوزيع على مستوى الجمهورية، وهو الأمر الذي سمح  مع طول شبكة التوزيع وتعقدها ، فضلا عن وجود سعرين للسكر بالسوق-أحدهما سعر السكر الحر، والآخر سعر السكر التمويني-  بفتح الباب أمام ضعاف النفوس ولكل طماع ومستغل من قِبَل بعض الوسطاء من أمناء المخازن، ومقاولي النقل، والبقالين … وغيرهم، بمحاولة الاستفادة من هذا الوضع بتخزين السكر وبيعه بأسعار تفوق الأسعار المحددة للسكر التمويني.

وإلى جانب هذه العوامل المسئولة عن ارتفاع أسعار الاستيراد فضلًا عن تعقد عملية التوزيع، واستغلال الطامعين لوجود سعرين بالسوق؛ فإنه لا يجب أن نتغاضى عن أثر التوقع لدى المستهلكين في ظل موجة التضخم السائدة، الأمر الذي دفع الكثير من المستهلكين في المغالاة في الطلب على السكر، والتكالب على شراؤه وتخزينه؛ مما أدَّى إلى اتساع الفجوة بين المتاح بالسوق المحلي والطلب المحلي؛ لتتزايد مشكلة نقص السكر.

وجاءت دراسة جهاز حماية المنافسة لتؤكد أهمية الدخول في تفاصيل الأسواق المختلفة، والبحث عن الأسباب المتعددة وراء ظاهرة ارتفاعات الأسعار التي باتت تعاني منها كثير من الأسواق في الوقت الحالي، وضرورة عدم التعجل في إصدار النتائج والجزم بدون دراسة وتحليل بأن السبب الرئيسي أو الوحيد وراء هذه الارتفاعات في الأسعار هو سيادة الاحتكار أو حتى الممارسات الاحتكارية على النحو الذي جاء به قانون حماية المنافسة.

CNA– جوا المصرى

موضوعات ذات صلة
أخبار كاش