مصطفى أبوجبل يكتب: في سبيل الوطن.. الغاية تبرر الوسيلة

مصطفي ابو جبل

كثيرًا ما تُستحضر عبارة “الغاية تبرر الوسيلة” في سياقات سلبية، حتى أصبحت لدى البعض مرادفًا لتجاوز القيم والأخلاق من أجل تحقيق المصالح؛ غير أن فهم هذه العبارة بعيدًا عن ظروفها التاريخية أدى إلى تشويه مقصدها الأصلي، وإلى إغفال الغاية الكبرى التي دفعت صاحبها إلى طرحها.

فعندما كتب الفيلسوف والمفكر السياسي الإيطالي نيكولو مكيافيلي أفكاره في مطلع القرن السادس عشر، كانت إيطاليا تعيش حالة من التمزق والانقسام، إذ لم تكن حينئذ دولة كما نعرفها اليوم بل كانت مجموعة من المدن تعصف بها الحروب الأهلية؛ حتى إن بعض المدن كانت تستعين بالقوى الأجنبية ضد بعضها البعض وهو ما زاد من حالة الفوضى.

في ذلك السياق المضطرب، رأى مكيافيلي أن الخطر الأكبر الذي يهدد بلاده ليس الاختلاف أو تنازع المصالح فحسب بل ضياع الوطن ذاته؛ ومن هنا جاءت دعوته إلى ضرورة إنهاء الانقسام ونشوء الاستقرار، ولذلك فإن الغاية التي كان ينشدها لم تكن تحقيق مجدٍ شخصي أو منفعة خاصة، وإنما تحرير إيطاليا واستقرارها.

ومن هذا المنطلق يمكن فهم عبارته الشهيرة؛ إن الوسائل التي كان يراها مبررة لم تكن غاية في ذاتها، بل أدوات لتحقيق هدف أسمى يتمثل في بناء الدولة وحماية الوطن؛ فحين يكون الوطن مهددًا بالانهيار، وعندما تتعرض وحدته واستقراره للخطر تصبح المحافظة عليه واجبًا يتقدم على كثير من الاعتبارات الأخرى لأن وجود الدولة هو الشرط الأول لوجود الأمن والاستقرار والتنمية.

هذا الحديث يتطابق تماماً مع ما تفعله الدولة المصرية كغيرها من الدول ذات السيادة، بتمسكها بحقها في اتخاذ ما تراه مناسبًا من إجراءات لحماية أمنها القومي، وفقًا لما تقتضيه القوانين والمصالح الوطنية العليا؛ فحماية الوطن ليست خيارًا سياسيًا بل واجب تفرضه المسؤولية تجاه ملايين المواطنين ومستقبل الأجيال القادمة.

وفي هذا السياق يأتي الجدل الدائر حول التحفظ على عدد من أعضاء فريق موقع “متصدقش”؛ وبينما تؤكد الجهات الرسمية أن الإجراءات جاءت في إطار مواجهة الأخبار المغلوطة والأنشطة التي تمس استقرار الدولة، نجد أن المنصة والمؤيدون لها يتمسكون برواية مختلفة تستند إلى طبيعة عملها الصحفي؛ وما بين الروايتين يبقى الفيصل هو القانون والتحقيقات والجهات القضائية المختصة بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو الانحيازات السياسية.

فحماية الأوطان تظل أسمى الغايات التي تسعى إليها الشعوب والدول على حد سواء؛ فالوطن ليس مجرد حدود جغرافية أو مؤسسات سياسية، بل هو ملاذ للأجيال المتعاقبة؛ وإذا اختل أمانه ضاعت معه الحقوق والمكتسبات، وأصبح الحديث عن المصالح الفردية أو الطموحات الشخصية هو الوسيلة والغاية، والباب الخلفي أيضاً لتبرير الوسيلة.

وفي النهاية، يبقى الدرس الأهم أن الأوطان هي القيمة العليا التي تلتقي حولها الشعوب، وأن الحفاظ على وحدتها وأمنها واستقرارها هو الطريق إلى كل نهضة وتقدم؛ فالدول القوية لا تُبنى إلا عندما تتقدم المصلحة الوطنية على الرؤى والأهواء الشخصية، وعندما يصبح الوطن هو الغاية فلابد أن تتوحد حولها الإرادات والجهود. حفظ الله وطننا.

CNA- مقال بقلم : مصطفى أبوجبل

موضوعات ذات صلة