مقال .. الصين قاطرة النمو الاقتصاد العالمى

 

أحمد الألفى

يعد الاقتصاد الصيني ثاني أكبر اقتصاد في العالم بحجم يبلغ 10 تريليونات دولار بعد  اقتصاد الولايات المتحدة  أكبر اقتصاد فى العالم بحجم يبلغ   18 تريليون دولار، ويقاس حجم اقتصاد  الدولة  بقيمة الناتج المحلي الإجمالي لها.

وبصرف النظر عن الحجم  تنبع أهمية و تأثير الاقتصاد الصيني على الاقتصاد العالمى من تأثيره الكبير على أسعار  الخامات و المدخلات الرئيسية مثل النفط والغاز الطبيعي و المعادن التي تدخل في العديد من  الصناعات الاسترتيجية، لذلك  لا يعد معدل  نمو الاقتصاد   الصينى مجرد معدل  نمو محلى  قاصر على الاقتصاد الصينى  فحسب، بل يعد  بمثابة معدل نمو  ذو تأثير عالمىعابر للقارات يقود اقتصاد العالم للنمو أو للتراجع الاقتصادى بحسب مستوى معدل نموه المحقق.

لذلك ينظر الاقتصاديون بحذر وقلق شديدين إلى أية مؤشرات سالبة  تطرأ على الاقتصاد الصيني ، حيث كان معدل نمو الاقتصاد الصينى المرتفع طوال سنوات الركود التالية للأزمة المالية  العالمية   طبعة عام 2008  بمثابة ألة  دفع  و قاطرة رئيسية للنمو  الاقتصادي العالمى الذى أنقذه معدل نمو الاقتصاد الصينى المرتفع  خلال هذه السنوات من السقوط الى الهاويه و الدخول فى موجة كساد على غرار الكساد العظيم فى عام 1929.

كما تمتلك الصين أكبر رصيد من الاحتياطيات النقدية من العملات الأجنبية قى  العالم ويقدر  بحولى 4 تريليون دولار و 70% من هذا الاحتياطي الصيني من العملات الأجنبية  مستثمر في الدولار الأميركي  وفى بنوك وسندات خزانة و أذون أميركية ، ومن هنا فان علاقة التشابك  الاقتصادى و المالى بين أكبر اقتصادين فى العالم تؤثر على اقتصاد العالم برمته فى حالة تراجع اقتصاد أى منهما.

وفى خضم انشغال الأوساط السياسية و الاقتصادية العالمية بأزمة الديون السيادية اليونانية وسط  توقعات قوية بأن اليونان ستكون مركزًا  لاندلاع  للأزمة المالية و الاقتصادية العالمية  القادمة، تعرض الاقتصاد  الصينى لزلزال ضرب البورصة الصينية  و كبدها  خسائر تقدر بحوالى 3.5 تريليون دولار أمريكى تبعها  تراجع بورصات  كل  دول الخليج تأثرا بانهيار أسعار البترول و كذا  البورصات الاوربية تأثرا بانهيار البورصات الصينية و الخليجية، وذلك بسبب رعونة الأموال الساخنة hot money التى تجوب بورصات و أسواق العالم المالية سعياّ وراء الربح الفائق السرعة ، فسرعان ما تنسحب عندما تبدأ الشرارة الأولى لانهيار الأسعار تاركة خلفها الأسواق تهوى، وسرعان ما تأتى عندما تشرع الأسعار فى الارتفاع لتزيد الأسعار اشتعالًا  ليدفع صغار المستثمرين  المحليين من أصحاب الأموال  الباردة و حدهم فاتورة الانهيار تحت  بصر و رعاية السلطات الرقابية و النقدية التى تدير و تنظم و تراقب أسواق المال المحلية و الاقليمية و العالمية.

وبصرف  النظر عن زلزال  البورصة الصينية و خسائرها  الكبيرة والتى بلغت حوالى 3.5 تريليون دولار  امريكى، فان  أداء  البورصة الصينية  لا  يعبر بدقة عن أوضاع  و أداء الاقتصاد الصينى الذى يقود النمو  الاقتصادى العالمى، حيث تم رصد عدة مؤشرات اقتصادية مهمة – بخلاف مؤشر  تراجع البورصة – تكشف عن احتمالات كبيرة جدًا لتراجع أداء الاقتصاد الصينى خلال عام 2017 ، نوجزها في المؤشرات التالية:-

  1. تباطؤ معدل نمو الاقتصاد الصيني لأقل من 7% خلال عام 2015، و هوأقل معدل نمو مسجل  لاقتصاد الصين خلال ال 25 سنة الأخيرة ، ذلك الاقتصاد الذى سجل أعلى معدلات النمو العالمية بمعدلات تراوحت بين 9% و 13%  و ذلك على مدى ربع قرن  كامل من الزمان.
  2. رصد فقاعة اقتصادية  قابلة للانفجار بالقطاع العقاري الصينى ، ومن المحتمل أن  يسفر تفجرها عن أزمة ائتمان على غرار أزمة  الرهن العقارى الامريكية و الأوربية فى عام 2008.
  3. رصد تراجع  كبير لمعدل طلب الصين على المواد الخام الرئيسية  كالبترول والمعادن برغم انهيار أسعار البترول العالمية.
  4. رصد  تراجع  ملموس في الاستثمارات  فى الأصول الثابتة فى الاقتصاد الصينى بنسبة 12%.
  5. سجل احتياطي العملات الاجنبية  الصينى انخفاض خلال عام 2016  يقدر بحوالى 79.5 مليار دولار، ومن المتوقع أن يزيد  هذا الانخفاض بعد الزلزال الأخير الذى ضرب  البورصة الصينية، و برغم ضاّلة هذا الانخفاض مقارنة بحجم الاحتياطيات الصينية بالنقد الاجنبى، الا أن مجرد تسجيل معدل تراجع – حتى لو كان طفيفًا – يعد مؤشراّ  عكسياّ  وغير مطمئن بالنسبة لاقتصاد ذو نمو تراكمى  صاعد و راسخ.

وبقراءة هذه المؤشرات، نجد أنها تترجم المخاوف التى تنتاب الأروقة الاقتصادية العالمية  من  جراء تراجع معدل النمو الاقتصادى الصينى  قائد و محرك النمو الاقتصادى العالمى ، لأن كبرى القوى الاقتصادية العالمية الأخرى تعانى من مشكلات اقتصادية كبرى تقيد معدلات النمو الاقتصادى فيها ، فاليابان  المكبلة بدين سيادى ضخم مازالت فى دائرة الركود و تكاد تدخل مرحلة التعافى الاقتصادى محققة معدل نمو  طفيف  جدًا  لم  يبلغ 1% بعد، و الولايات المتحدة المكبلة أيضا بدين سيادى كبير و  قابل للانفجار و يحد كثيرا من نمو ناتجها القومى بمعدل مؤثر فى نمو الناتج العالمى.

ولا يختلف الأمر  كثيرا فى  أوربا  التى ما زال اقتصادها  يدفع  تكلفة ديون دول الكتلة الاوربية الاّيلة للسقوط و فى مقدمتها اليونان، و ذلك على حساب تباطؤ  معدل النمو الاقتصادى العالمى من أجل استمرار  كتلة اليورو التى  لن تستمر طويلا و نصف أعضائها غارقون فى مستنقع الديون ، فضلاّ عن انسحاب بريطانيا  المفاجئ أحد أهم أعضاء الاتحاد الأوربى.

لذلك يراهن  العالم على  الاقتصاد الصينى بمعدلات نموه المرتفعة و التى أنقذت الاقتصاد العالمى من الانهيار  فى أعقاب الازمة المالية العالمية عام 2008 ، حيث يعد  الاقتصاد الصينى المحرك الدافع  للنمو الاقتصادى العالمى بعد أن قيدت الأزمات المالية و الديون السيادية  معدلات النمو  الاقتصادى لكبرى القوى  الاقتصادية العالمية كالولايات المتحدة و الاتحاد الأوربى و اليابان ، و ذلك على النحو السالف الذكر.

إذن  القلق العالمى الغربى ليس  على اقتصاد  الصين ذاته بل على الاقتصاد  العالمى برمته،  لأن تراجع  معدل  النمو الاقتصادى الصينى يعنى ببساطة تراجع معدل النمو الاقتصادى العالمى و انكماش الاقتصاد الغربى و لا سيما  الاقتصاد الامريكى  ، لأن الصين تعد أكبر مستثمر  فى سوق و عملة و أدوات  ديون الولايات المتحدة.

ومن المؤكد أن مثل هذا  التراجع سيؤدى الى سحب بعض الاستثمارات الصينية من الأسوق الامريكية، و فضلًا عن علاقات التشابك الاقتصادى بين أكبر اقتصادين فى العالم – الولايات المتحدة و الصين – تعد الصين  لاعبا كبيرًا فى مجال الاستثمارات الدولية المباشرة – و لاسيما فى الأسواق الناشئة و البكر  فى قارتى افريفيا و امريكا اللاتينية ، بالاضافة الى قيادتها لتكتل دول بريكس BRICS ( البرازيل و روسيا والهند والصين و جنوب افريقيا ) كتكتل اقتصادى موازى لكبرى التكتلات الاقتصادية الرأسمالية العالمية التقليدية  كالاتحاد الاوربى و النافتا NAFTA  (اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية )، وذلك فى محاولة لتأسيس نظام مالى عالمى موازى لنظام بريتون وودز الذى أفرز كل من  صندوق النقد والبنك الدوليين باّلياتهما الليبرالية الشرسة التى لم تفلح فى تحقيق الاستقرار النقدى ولا المالى للاقتصاد العالمى من جهة ، ومن جهة أخرى أدت الهيمنة المالية لصندوق النقد والبنك الدوليين على مقدرات الدول النامية الى اتساع الفجوة بين الشمال الغنى و الجنوب الفقير ، فضلاّ عن زيادة معدلات الفقر و تركز الثروات على كافة الأصعدة محليا واقليميا و عالميا.

ولدفع معدل نمو الاقتصاد الصينى أقدمت السلطات الصينية مؤخراّ على تبنى سياسة نقدية توسعية فى محاولة جادة منها للمحافظة على معدل نمو مرتفع  للاقتصاد الصينى، و تتلخص هذه السياسة فى  استخدام الأدوات الاتية :-

1- تخفيض قيمة اليوان  الصينى مرتين الأولى  فى غضون عام واحد بواقع 4% ، و الثانية بواقع 9%  بغرض تنشيط  الصادرات الصينية وجذب المزيد من السياحة الأجنبية الى الصين.

( وفى اطار حرب العملات العالمية ،قامت المؤسسات  المالية الدولية ممثلة فى صندوق النقد و البنك الدوليين مؤخراّ باستدراج الصين الى فخ  نقدى و مالى كبير مؤداه اعتماد اليوان الصينى ضمن سلة عملات صندوق النقد الدولى  ( وتعرف باسم  حقوق السحب الخاصة special drawing rights  ) وبوزن نسبى يبلغ حوالى 10% فى هيكل عملات السلة التى تتكون من الدولار الامريكى و اليورو و الجنية الاسترلينى و الين اليابانى.

وينطوى هذا الاستدراج  النقدى  للصين على محاولة القوى الرأسمالية العالمية أن تجعل  من اليوان الصينى عملة دفع عالمية ، مما يخلق عليها طلباّ  عالمياّ كبيراّ  يؤدى الى ارتفاع أسعار صرفها مقابل العملات الأجنبية الرئيسية  فى أسواق النقد  العالمية ، مما يفقد  قدرة السلطات النقدية الصينية  فى السيطرة على  سعر صرف اليوان الصينى بالابقاء عليه أقل من قيمته الحقيقية لتنشيط الصادرات الصينية  و السياحة الأجنبية الوافدة الى الصين ، والجدير بالذكر فى هذا السياق أن الولايات المتحدة الامريكية كانت على مدى حوالى 20 سنة – وما زالت – تتهم الصين بتخفيض قيمة اليوان عمداّ  للاضرار بالصادرات الامريكية الأغلى عالمياّ بسبب الدولار القوى و اليوان الضعيف ).

2- تخفيض سعر الإقراض و الخصم  بواقع 25 نقطة بغرض تخفيض تكلفة الاقتراض و توسع  البنوك فى منح الائتمان .

3- تخفيض سعر الفائدة  على الودائع  بواقع  25 نقطة بغرض تحفيز  الاستهلاك المحلى و  الاستثمار المباشر فى الأسواق .

4- تخفيض نسبة الاحتياطي الإلزامي  للبنوك بواقع 50 نقطة أساس ليصل إلى 18 % بغرض رفع  قدرة البنوك على منح الائتمان باتاحتها لأموال اضافية جديدة fresh money قابلة للاقراض  لتحقيق الاستفادة المباشرة من التأثير  المزدوج  لمضاعف الائتمان على كل من منح الائتمان و توليد الودائع.

وتزامن  تبنى  السلطات الصينية  لهذه السياسة  النقدية توسعية لدفع معدل نمو الاقتصاد الصينى أقدمت السلطات الصينية  على تبنى سياسة مالية توسعية أيضاّ  قوامها تخصيص الحكومة الصينية لمبلغ 250 مليار يوان ( حوالى40 مليار دولار)  بغرض تحفيز النمو في قطاعات الاقتصاد الأكثر احتياجاّ  للسيولة النقدية، و ذلك بضخ هذه الأموال  ضخاّ مباشراّ  فى القطاعات الاقتصادية  التى تعوزها السيولة لتحقيق النمو المرتفع فيها.

وننوه الى أن السلطات الصينية قد استخدمت مزيجاّ  توسعياّ  متجانساّ من أدوات  كل من السياسة النقدية و المالية معاّ لتعزيز و رفع معدل النمو الاقتصادى ، وبرغم   استخدام أدوات السياسة النقدية بشكل أكبر كثيراّ من  أدوات السياسة المالية ، الا  أن هذه الأدوات جاءت متسقة  و تصب معاّ فى تحقيق الهدف من تبنيها ، فلا مجال لأى تضارب بينها.

( ونهدى هذه السياسة الى متخذى القرار الذين تتسبب قراراتهم فى التضارب بين السياستين النقدية و المالية ليتعلموا كيفية اصدار القرارات المتسقة مع تحقيق الهدف من اصدارها ، و حتى لا تصدر القرارات صباحاّ ، و يتم الغائها مساء نفس يوم صدورها ).

ومن المؤكد أن تسفر كل من السياسة النقدية التوسعية التى تبناها بنك الشعب الصينى( البنك المركزى الصينى )  والسياسة المالية  التوسعية التى تبنتها  السلطات المالية الصينية عن تأثير  ايجابى  ملحوظ على معدل نمو  الاقتصاد الصينى،  ويرجع ذلك الى  تمتع  الجهاز الانتاجى للاقتصاد الصينى  بمرونة عرض كبيرة جدا  معززة بالتنوع  الهيكلى و بالتقدم التكنولوجى و بضخامة السوق الصينى ذو  المليار نسمه، و برغم  ذلك لن تؤدى هذه السياسة التوسعية الى رفع  معدل نمو  الناتج القومى الصينى ليرجع  الى سابق عهده و الى معدلات نموه القياسية ، لأن  لكل من السياسة النقدية التوسعية و سياسة الحقن النقدى للأسواق بالسيولة النقدية  المصطنعة حدود  فى تحسين معدل النمو  الاقتصادى المقيد بمشكلات الاقتصاد العالمى و بيئته غير المواتية لاحراز النمو الاقتصادى تلقائيًا من جهة.

ومن جهة أخرى يعد الاقتصاد  الصينى اقتصادا  تصديريا يعتمد معدل نموه الاقتصادى اعتمادا  كبيرا على  الأسواق الخارجية التى انخفضت مقدرتها على الاستيراد بسبب تفاقم الديون السيادية و انهيار  أسعار البترول وانهيار قيمة الروبل الروسى بسبب حصار الولايات المتحدة الامريكية للاقتصاد الروسى ، فضلا عن كل من حرب العملات بين القوى الاقتصادية العالمية و التوترات السياسية و الاقليمية فى الشرق الأوسط.

ويزداد المشهد الاقتصادى العالمى تعقيدًا بوصول دونالد ترامب صاحب الميول اليمينية للبيت الأبيض، ومن غير المستبعد أن يزج بالاقتصاد العالمى فى دائرة التطرف الاقتصادى – ان جاز التعبير – فضلاّ عن تبنيه لشعار عودة أمريكا عظيمة ، وبالطبع لن تكون عظيمة بدون اقتصاد قوى ، الأمر الذى سيؤدى حتمًا  الى  وجود احتمالات كبيرة لتسارع  ايقاع الحروب الاقتصادية بين كبرى القوى الاقتصادية العالمية.

 CNA– مقال بقلم ،، أحمد الالفى (الخبير المصرفى والمدير بأحد البنوك)

موضوعات ذات صلة