مقال .. الإبداع اليابانى فى إدارة الدين السيادى

 

ALALFY
أحمد الألفى

يعتبر الدين العام أو السيادى لأى دولة قابلاً للانفجار فى أى لحظة إذا ما تساوى أو تجاوز قيمة الناتج المحلى الأجمالى للدولة , حيث تكون قيمة كل دولار واحد من هذا الانتاج محملة بدولار مماثل من الديون .

ويكون اقتصاد الدولة فى الحدود الأمنة للاقتراض اذا كانت قيمة الدين العام لها تساوى أو أقل من 60% من الناتج المحلى الأجمالى لها، بينما يكون اقتصاد الدولة مثقلا بالديون عندما تزيد  ديون الدولة كنسبة من الناتج المحلى الاجمالى  عن 60% وحتى 100%، فعند هذا المستوى من الممكن السيطرة على الدين العام نسبيا و ايقاف تفاقمه بالأدوات والسياسات الاقتصادية  و المالية المتعارف عليها.

أما عندما تتجاوز قيمة  الدين العام قيمة الناتج المحلى الاجمالى , فيدخل الدين العام مرحلة الانفجار و يخرج عن  نطاق سيطرة كل من الدولة المدينة و دائنيها معا، ويعد انفجارالدين العام اليونانى بمثابة حالة عملية وواقعية جدًا لمرحلة الانفجارالمالى , حيث انفجر هذا الدين عند مستوى 170%من الناتج المحلى ،وفشلت كل محاولات السيطرة عليه منذ عدة سنوات عندما كان فى مستوى 130% من الناتج المحلى الاجمالى.

و يحدثنا التاريخ  الحديث و المعاصر للديون السيادية عن نماذج صارخة  لانفجار الديون السيادية ، بدءًا بالمكسيك و دول امريكا اللاتينية فى ثمانينات القرن العشرين ،و انتهاءًا بانفجار الديون اليونانية فى يومنا هذا ، و لعل  خطورة إفراط الدول فى الاقتراض بشقيه الداخلى و الخارجى بدرجة أكبر من الطاقة الاستيعابية للاقتصاد وعدم قدرته على  كل من استيعاب القروض السيادية و خدمة  أعباء هذه الديون يتبلور و يتفاقم بشكل دراماتيكى عندما تستخدم الدولة المدينة حصيلة هذه القروض فى الاستهلاك و تحديدًا فى سداد كل من عجز الموازنة و الميزان التجارى.

و يكون الدين السيادى للدولة  شديد الخطورة و سريع الانفجار اذا ما كان دينًا خارجيًا ممنوح للدولة من دائنين أجانب ،بينما يكون أقل حدة و انفجارًا إذا ما كان دينًا داخليا ممنوح للدولة من دائنين محليين .

ولكن لكل قاعدة استثناءاتها بطبيعة الحال ، ولكن الاستثناء من هذه القاعدة فى عالم الدين العام يعد استثناءا وحيدًا و فريدًا معًا , وهو حالة الدين العام اليابانى ، حيث يعتبر الدين العام اليابانى الأكبر فى العالم بمقياس قيمة الدين العام  كنسبة مئوية  من الناتج المحلى , حيث بلغت هذه النسبة 250% .

أى أن قيمة الدين العام اليابانى تساوى250% من قيمة الناتج المحلى الاجمالى لليابان ، و برغم  خطورة و ضخامة هذه النسبة و كونها الأعلى عالميا إلا أن الدين العام اليابانى غير قابل للانفجار كحالة  أو نموذج اليونان، و يرجع ذلك الى عدة أسباب أهمها:-

1-  يتصف هيكل الدين العام اليابانى بأنه هيكل محلى خالص، و يعنى ذلك عدم وجود دائنين أجانب لليابان ،و يضيف هذا البعد معامل أمان أكبر للدين العام اليابانى مقارنة بهياكل الدين العام للدول الأخرى المدينة للأجانب مثل اليونان و البرتغال و قبرص و اسبانبا.

2- امتلاك اليابان لاحتياطى  كبير من العملات الاجنبية يبلغ حوالى  1.250 تريليون دولار، مما يعزز من مقدرة اليابان على سداد ديونها السيادية على عكس الدول المدينة الأخرى التى لا تمتلك أية احتياطيات من العملات الاجنبية.

3- الدين العام اليابانى مغطى بميزان تجارى قوى يحقق فائض على عكس معظم الموازين التجارية للدول المدينة الأخرى التى تحقق عجزمتزايد مع الدين العام المتفاقم مما يزيد من احتمالات انفجاره بدرجه أكبر من احتمالات علاجه.

4-  يتصف الدين العام اليابانى بأنه دين ذو انتاجية مرتفعة , بمعنى أن معظمه أنفق على تحسين المناخ الاقتصادى كالبنية الاساسية , ولم ينفق على تمويل الاستهلاك و لا على الانفاق العسكرى, لذلك سيكون له مردود كبير و سريع على الاقتصاد اليابانى.

ولا شك فى أن هذه الخصائص الأربعة للدين العام اليابانى و التى تميزه عن سائر الديون السيادية للدول المدينة الأخرى تحد من احتمالات انفجاره و تعزز من امكانيات السيطرة عليه برغم كونه الدين السيادى الأكبر فى العالم بمقياس قيمة الدين العام  كنسبة مئوية  من الناتج المحلى  الأجمالى, فضلا عن الاّليات المختلفة التى تتبناها الحكومة اليابانية لعلاج مشكلات الاقتصاد متضمنة الديون السيادية .

فلم تتخذ الحكومة اليابانية من سياسة التقشف المالى منهجاّ لعلاج الدين العام كسائر الدول الغربية المدينة , لكنها اتخذت سياسات مالية و اقتصادية مختلفة تتركز فى السياسات الاتية:-

1- سياسة ضخ السيولة النقدية مباشرة في الاقتصاد  و تسمى بسياسة التيسير النقدي و يطبقها البنك المركزي اليابانى منذ عدة سنوات بهدف زيادة التيار النقدى فى الاقتصاد و توفير السيولة لقطاعاته المختلفة لدوران عجلة الاقتصاد.

2- زيادة الانفاق العام الحكومى على مشروعات البنية التحتية وإعادة  الاعمار في منطقة فوكوشيما المضارة من الزلزال المدمر الذى اجتاحها  لتنشيط الطلب الكلى الفعال فى الاقتصاد.

3- تبنى برنامج  ضخم لشراء الأصول  المتعثرة و اعادة هيكلتها.

4- التدخل اليومى فى سوق الصرف للمحافظة على سعر الين وعدم تخطيه لحاجز 80 ين للدولار الامريكى  لتتمكن من زيادة حجم الصادرات  اليابانية من خلال زيادة تنافسيتها اعتمادا على سياسة تخفيض القيمة الخارجية للين اليابانى لتكون الصادرات اليابانية أرخص نسبيا من صادرات الدول المنافسة كالولايات المتحدة و أوربا و الصين  .

5- تبنى بنك اليابان المركزي سياسة  لتشجيع الشركات على زيادة الأجور والاستثمارات مع تأجيل فرض أية زيادات فى ضرائب المبيعات وذلك بهدف تنشيط الانفاق و الخروج من دائرة الانكماش الاقتصادى.

و تختلف السياسات اليابانية عن غيرها من سياسات كبرى الدول المدينة الأخرى لعلاج مشاكل الاقتصاد  و الديون السيادية فى أن السياسات اليابانية  تركز على تزويد الاقتصاد بالسيولة النقدية الكافية لتجنب خفض مسىتوى التشغيل بسبب نقص السيولة من جهة ، ومن جهة أخرى تهيأ المناخ الاقتصادى بمشروعات بنية أساسية داعمة للنشاط الاقتصادى ، و تستبعد تماما سياسات التقشف لانها تؤدى الى تراجع  سريع فى كل من معدلات  الانفاق العام  و الخاص يؤدى ذلك بدوره الى تراجع ملموس فى الايرادات السيادية و من ثم تزداد حدة الدين العام و يدخل الاقتصاد فى دائرة الركود و دوامة الديون ، فضلا عن شراء الاصول المتعثرة و اعادة تأهيلها حتى لا تظل عبئاّ يرهق الاقتصاد.

وقد أسفرت السياسات المالية و النقدية اليابانية عن خروج الاقتصاد اليابانى من دائرة الانكماش و التراجع  الاقتصادى و تحقيق معدل نمو اقتصادى موجب بواقع 0.6% ،و برغم ضاّلة هذا المعدل الرقمية , الا أنه يعد بمثابة نقطة تحول فاصلة  للاقتصاد اليابانى لتخطى سنوات الانكماش الى مرحلة استعادة نمو الاقتصاد.

ومن الدروس المستفادة اقتصاديا من قضية الدين اليابانى السيادى , أن رقم الديون السيادية كرقم مطلق يكون محدود الدلالة ، بينما تتضح  دلالته و خطورته الاقتصادية بتحليل مكوناته و تكلفته و آجاله و مانحيه و أغراض انفاقه وانتاجيته و سياسات التعامل معه و احتوائه، أو ما يعرف بمعاملات الامان  للدين السيادى و  تتمثل  فى الأتى :-

1- مدى تدويل الدين السيادى , أى نسبة ملكية الاجانب للدين العام , فكلما كانت هذه النسبة كبيرة فى هيكل الدين السيادى , كلما انخفض معامل أمان الدين السيادى , وكلما كانت هذه النسبة صغيرة فى هيكل الدين السيادى , كلما ارتفع معامل أمان الدين السيادى , فالعلاقة عكسية و مؤكدة بين كل من مدى تدويل الدين السيادى ومعامل أمان الدين السيادى.

2- انتاجية الدين السيادى ، أى أوجه انفاق حصيلة الدين السيادى بين الانفاق الاستهلاكى و الانفاق الاستثمارى , فكلما كان انفاق الدولة لحصيلة  الدين السيادى موجهاّ للانفاق الاستثمارى على حساب الانفاق الاستهلاكى ،كلما ارتفع معامل أمان الدين السيادى لأن للانفاق الاستثمارى عوائد اقتصادية مباشرة و غير مباشرة ترفع من قدرة الدولة على خدمة ديونها.

وكلما كان انفاق الدولة لحصيلة  الدين السيادى موجها  للانفاق الاستهلاكى على حساب الانفاق الاستثمارى ،كلما انخفض معامل أمان الدين السيادى ، لأن  الانفاق الاستهلاكى  لا يولد أية عوائد اقتصادية  سواء مباشرة أو غير مباشرة , ومن ثم تنخفض قدرة الدولة على خدمة ديونها.

فالعلاقة طردية و مؤكدة بين كل من مدى انفاق حصيلة الدين السيادى  فى الانفاق  الاستثمارى ومعامل أمان الدين السيادى ,  و على النقيض، فى حالة مدى انفاق حصيلة الدين السيادى فى الانفاق الاستهلاكى , حيث تكون العلاقة عكسية و مؤكدة بين كل من مدى انفاق حصيلة الدين السيادى فى الانفاق  الاستهلاكى  ومعامل أمان الدين السيادى .

3- تكلفة  خدمة الدين السيادى  , أى أقساط  و فوائد  الدين السيادى , فكلما كانت الفوائد على الدين السيادى منخفضة أو ميسرة ,  كلما ارتفع معامل أمان الدين السيادى لأن الفوائد المنخفضة تقلل من تكلفة خدمة الدين السيادى ’ و كلما كانت الفوائد على الدين السيادى مرتفعة , كلما انخفض معامل أمان الدين السيادى لأن الفوائد المرتفعة  تزيد من تكلفة خدمة الدين السيادى , فالعلاقة عكسية و مؤكدة بين كل من أسعار الفوائد على الدين السيادى ومعامل أمان الدين السيادى.

4- آجال استحقاق الدين السيادى , أى  فترة  أو مدة سداد الدين السيادى , فكلما كانت اّجال سداد أقساط الدين السيادى أطول , كلما ارتفع معامل أمان الدين السيادى لأن طول أجل السداد يقلل من مدفوعات سداد أصل الدين السيادى – بدون الفائدة – وكلما كانت اّجال سداد أقساط الدين السيادى أقصر، كلما انخفض معامل أمان الدين السيادى لأن قصر أجل السداد يزيد من مدفوعات سداد أصل الدين السيادى – بدون الفائدة –  فالعلاقة طردية و مؤكدة بين كل من  أجل سداد الدين السيادى ومعامل أمان الدين السيادى.

كما أن وجود فترات امهال أو فترات سماح ضمن هيكل سداد الدين السيادى ترفع من معامل أمان الدين السيادى لأنها تعد بمثابة  فترات بدون دفع أقساط،  كما أن عدم وجود فترات أمهال أو فترات سماح ضمن هيكل سداد الدين السيادى يقلل من معامل أمان الدين السيادى، لأن  سداد الاقساط  يبدأ مباشرة بعد منح القرض السيادى دون فترات امهال أو سماح .

5- مصادر الوفاء الحقيقية للدين السيادى ،أى مدى توفر مصادر حقيقية للدولة المدينة لسداد أعباء خدمة الدين السيادى ، فكلما توفرت  مصادر السداد للدولة – من فائض ميزان المدفوعات و / أو من أرصدة الاحتياطى المملوك لها  من العملات الاجنبية،  كلما ارتفع معامل أمان الدين السيادى لأن توفر مصادر حقيقية للسداد يجنب الدولة مخاطر التعثر و اللجوء لاقتراض قروض سيادية جديدة لسداد قروض سيادية مستحقة – ما يعرف بسياسة تدوير القروض .

وكلما تقلصت مصادر الوفاء الحقيقية  لسداد أعباء خدمة الدين السيادى كلما انخفض معامل أمان الدين السيادى،لأن عدم توفر مصادر حقيقية للسداد  يجبرالدولة المدينة لاقتراض قروض سيادية جديدة لسداد  أقساط قروض سيادية مستحقة، فالعلاقة طردية و مؤكدة بين كل من مدى توفر مصادر حقيقة لسداد الدين السيادى ومعامل أمان الدين السيادى.

6-  سياسات التعامل مع الدين السيادى ،أى مدى مهارة الدولة المدينة فى تبنى سياسات حصيفة و مبتكرة للتعامل مع الدين السيادى ، فكلما كانت هذه السياسات مبتكرة وغير تقليدية ، كلما انعكس ذلك على قدرتها فى ادارة ديونها السيادية بشكل أفضل من الدولة التى تتبنى سياسات تقليدية فى ادارة ديونها السيادية ، مما يرفع من معامل أمان ديونها السيادية.

و تشكل هذه العوامل مجتمعة  للدين العام اليابانى حالة خاصة جداّ لدين سيادى كبير بمعاملات أمان مرتفعة

CNA– بقلم ،، أحمد الالفى،الخبير المصرفى

[box type=”info” ]الكاتب .. مصرفى يعمل مديرًا بأحد البنوك المصرية .. له مؤلفات عديدة فى المجالات المصرفية والمالية [/box]

موضوعات ذات صلة